كتاب وشعراء

الإبوخيه: شجاعة تعليق اليقين وإنصات الوعي… بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

ليست الإبوخيه إجراءً تقنيًا في كتاب الفلسفة، ولا حركةً ذهنية معزولة عن نبض الحياة، بل هي قبل كل شيء موقفٌ أنطولوجي وأخلاقي من العالم؛ موقف يجرؤ على أن يقول: لستُ مضطرًا لأن أُصدِّق فورًا، ولا لأن أُنكر فورًا، بل لأن أُنصت. فالإبوخيه، كما بلورها إدموند هوسرل في صميم مشروعه الفينومينولوجي، تقوم على تعليق الحكم وإرجاء التصديق، لا بقصد الفرار من الواقع، بل بقصد الاقتراب منه على نحو أعمق، أكثر نقاءً، وأشدّ وفاءً للتجربة كما تُعاش.
في معناها الدقيق، تعني الإبوخيه وضع العالم بين قوسين مؤقتين: لا نُلغيه، ولا ننفي وجوده، بل نُعلّق الأسئلة الميتافيزيقية والعلمية الجاهزة عنه، لننظر إلى كيفية ظهوره في الوعي. إنها لحظة كفٍّ معرفيٍّ عن الاستعجال، يتوقف فيها العقل عن القفز إلى التفسير، ويعود إلى أصل الخبرة، إلى ما يسبق المفهوم واللغة والحكم. فالإبوخيه لا تقول: “الشيء غير موجود”، بل تقول بهدوء حاسم: “دعنا نؤجّل سؤال الوجود، وننصت أولًا إلى فعل الظهور”.
ومن هنا، تصبح الإبوخيه الخطوة الأولى في المنهج الفينومينولوجي، لأنها تفتح الباب أمام وعيٍ محرَّر من سطوة المسلَّمات. فهي تعلّق الأحكام المسبقة، وتوقف التسليم بالبداهات، وتمتنع عن تفسير الظواهر تفسيرًا علميًا أو ميتافيزيقيًا، لتعيد الاعتبار للخبرة الحيّة كما تُعاش في الزمن، وفي الجسد، وفي الذاكرة، وفي الشعور. إنها عودة إلى ما هو معطى قبل أن يُستلب في شبكات اللغة الجاهزة والأيديولوجيا.
وبفضل الإبوخيه، يتحرر الوعي من قبضة العادة التي تُميت الدهشة، ومن سطوة اللغة حين تتحول إلى قوالب جامدة، ومن الأيديولوجيا حين تدّعي امتلاك الحقيقة، ومن الأحكام القيمية المسبقة التي تُصادر التجربة قبل أن تُمنح حقّها في الظهور. عندئذٍ، يغدو الوعي قادرًا على استقبال الظاهرة في نقائها الأول، لا بوصفها مفهومًا مُغلَقًا، بل تجربةً مفتوحة، قابلة للتعدّد، والاختلاف، والتأويل.
وفي هذا الأفق، تلتقي الإبوخيه مع الشعر التقاءً عميقًا. فالشعر، في جوهره، ممارسة إبوخيه جمالية، لا منهجية ولا واعظة. الشاعر يعلّق التفسير، يؤجّل المعنى، ويكسر العلاقة الآلية بين الدال والمدلول، ليترك للصورة والإيقاع واللغة أن تُنتج معناها في لحظة التلقي. القصيدة الفاعلة لا تشرح نفسها، ولا تُقدّم معنىً جاهزًا، بل تضع القارئ في حالة إبوخيه دائمة، حيث يصبح المعنى حدثًا، لا خلاصة، وتجربةً، لا نتيجة.
ولهذا، فإن القصيدة التي تُكثِر من الشرح تفقد قوتها، بينما تلك التي تُبقي المعنى معلّقًا تستدعي القارئ إلى شراكة وجودية في إنتاج الدلالة. الشعر هنا لا يقول “ما هو”، بل يُري “كيف يظهر”، وهو بذلك أقرب إلى الفينومينولوجيا من أي خطابٍ تفسيريٍّ أو تعليمي.
وفي الفكر العربي المعاصر، يمكن تلمّس روح الإبوخيه، وإن لم تُسمَّ دائمًا باسمها الفلسفي. فقد دعا محمد عابد الجابري إلى نقد البداهات المعرفية التي حكمت العقل العربي، مطالبًا بتعليق التسليم بالموروث حين يتحول إلى يقينٍ معطِّل للتفكير. وسعى نصر حامد أبو زيد إلى تحرير النص من القراءة اللاهوتية المغلقة، داعيًا إلى تأجيل الأحكام المسبقة لصالح قراءة تاريخية تأويلية تُنصت إلى النص في سياقه وتحوّلاته. أما عبد الفتاح كيليطو، فقد عبّر بعبارة مكثفة عن جوهر الإبوخيه حين قال: “النص لا يقول كل شيء دفعة واحدة”، في إشارة إلى أن المعنى يتشكّل في الزمن، وفي القراءة، وفي العلاقة بين القارئ والنص.
وهكذا، تتبدّى الإبوخيه لا كحيادٍ بارد، ولا كتهرّب من الحقيقة، بل كشجاعة معرفية نادرة: شجاعة التخلّي المؤقت عن اليقين، من أجل الاقتراب من الحقيقة كما تُعاش، لا كما تُفرض. إنها أخلاق إنصات قبل أن تكون تقنية تفكير، وفعل تواضع أمام العالم قبل أن تكون تمرينًا فلسفيًا. وفي زمن الضجيج، حيث تُستهلك المعاني بسرعة، تبدو الإبوخيه دعوةً ملحّة إلى التمهّل، وإلى إعادة الاعتبار للظهور، للدهشة، وللخبرة الأولى التي منها يولد الفكر، ويُعاد اختراع الشعر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock