الثقافة حين تختزل: تأمل في سياسة الرموز وتهميش المعنى…..بقلم سميرة بن حسن/تونس

لم تكن الثقافة يوما ترفا ولا نشاطا جانبيا يدرج في هامش السياسات العامة بل كانت دائما أحد أكثر المجالات حساسية وخطورة لأنها المجال الوحيد القادر على طرح السؤال قبل أن يتحول إلى أزمة وعلى كشف الخلل قبل أن يصير واقعا مقبولا لذلك لا تقاس أزمة الثقافة بعدد التظاهرات أو المسابقات أو الإحتفالات بل بطريقة التفكير التي تحكمها وبالصورة التي يراد لها داخل المجتمع.
في كثير من السياقات العربية لا يبدو أن الثقافة مستهدفة بالإقصاء المباشر بل العكس تماما تحتفى بها وتنظم لها التظاهرات وتمنح لها العناوين البراقة وتخصص لها برامج رسمية غير أن هذا الإحتفاء حين يفحص عن قرب يكشف عن مفارقة عميقة الثقافة حاضرة بوصفها شكلا وغائبة بوصفها فعلا.
السياسات الثقافية الحديثة لا تعمل على قتل الإبداع بل على تحييده يتم تأطير الثقافة داخل قوالب جاهزة تفرغها من بعدها النقدي وتحولها إلى نشاط قابل للإدارة والقياس والتقرير فالثقافة التي تقلق وتطرح أسئلة غير مريحة وتنتج وعيا ناقدا ثقافة مربكة أما الثقافة التي تختزل في رموز وطقوس وصور فهي امنة سهلة التداول ولا تتطلب شجاعة سياسية أو فكرية.
في هذا الإطار يعاد تعريف المبدع لا ينظر إليه باعتباره حامل رؤية أو مشروعا فكريا بل كمشارك في منظومة يكافا حضوره لا أثره ويحتفى بمشاركته لا بما قد تخلقه أفكاره من نقاش أو إزعاج وهكذا يتحول التكريم من اعتراف بالمعنى إلى إجراء شكلي ومن دعم حقيقي إلى رمز عابر.
الأخطر في هذا المسار أنه يبدأ مبكرا منذ الطفولة فالطفل الذي يشجع على الكتابة وعلى الحكي وعلى الابداع الرقمي لا يربى دائما على الإيمان بقيمة ما يفعل بل على الإكتفاء بلحظة الإعتراف العابرة يتعلم دون أن يقال له صراحة أن الثقافة جميلة ما دامت خفيفة وأن الحلم مقبول ما دام لا يطالب بشيء أكثر من التصفيق.
هكذا تبنى علاقة ملتبسة مع الثقافة نحتفي بها في الخطاب لكننا نقلصها في الجوهر نرفع شعارات تشجيع الإبداع لكننا نفرغ هذا التشجيع من أي مضمون مادي أو رمزي حقيقي والنتيجة ليست فقط إحباط مبدعين صغار أو كبار بل تكريس تصور عام مفاده أن الثقافة لا تغير وأنها ليست مسارا جديا بل محطة عابرة في حياة الفرد.
أما المثقف فيجد نفسه في موقع أكثر هشاشة لا يقصى صراحة ولا يحارب علنا بل يهمش بصمت يدعى حين يكون حضوره ضروريا للتزيين ويستبعد حين يتحول صوته إلى عبء فالمثقف الذي يطرح الأسئلة ويربط الثقافة بالسياسة وبالعدالة وبالخيارات الكبرى مثقف غير مريح وغير قابل للإحتواء السريع.
إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة ميزانيات فقط بل أزمة رؤية أزمة فهم لدور الثقافة في بناء الإنسان لا في تزيين المشهد. فالثقافة التي تختزل في الهدايا وفي الرموز وفي الطقوس تفقد قدرتها على الإستمرار لأنها لا تنتج إيمانا حقيقيا بقيمتها.
وحين يصبح الشكل أهم من المضمون والتكريم أهم من المكرم والصورة أهم من الأثر فاننا لا نكون بصدد دعم الثقافة بل بصدد إدارتها حتى تفقد روحها ثقافة بلا أسئلة بلا رهانات بلا مخاطرة هي ثقافة قابلة للتنظيم لكنها عاجزة عن التغيير.
يبقى السؤال مفتوحا لا بصفته اتهاما بل بوصفه قلقا مشروعا هل نريد ثقافة تدار بهدوء أم ثقافة تحلم بجرأة لأن الفرق بين الإثنين هو الفرق بين مجتمع
يستهلك الرموز ومجتمع يصنع المعنى
سميرة بن حسن/تونس
القصيدة
هوامش على دفتر الثقافة
لم تمت الثقافة
هي فقط
تعلمت أن تكون خفيفة
خفيفة
كي لا تزعج الطاولات الرسمية
وكي تمر
دون أن تسائل
صار الحلم
شيئا يسلم
ويؤخذ
وينسى
وصار الإبداع
لحظة صورة
لا أثر بعدها
في هذا المكان
يكافا الحلم
كي لا يكبر
ويربى الطفل
على أن المعنى
أمر ثانوي
الثقافة لا تهان بالصمت
بل بالتدجين
وحين نصفق كثيرا
فلأننا
لم نعد نسمع الأسئلة









