الوطن ….بقلم أحمد الفلاحي

الوطن مجرد فكرة تتسرب من بين الأصابع
كلما قبضت عليها أصبحت أقل
كأن هذه الفكرة خلقت لتفلت
ولاتستطيع الأمساك بها.
لم يكن الوطن مكسورا او مدوراا
كان مستعملا أكثر من اللازم
مُنهكا من الأسماء
من الأيدي التي رفعته شعارا
ثم أنزلته عبئا
من العيون التي نظرت إليه شزرا
لا لتراه.. وإنما لتقيسه بمقدار ما يدر.
الوقت لا يمضي كما ألفناه
أصبح يدور حول نفسه
مثل جرح رفض أن يلتئم
لأنه تعلم العيش مفتوحا.
النهار في وطني يتأخر عن نفسه
والليل ينسى أن ينتهي ويراود القتلة عن اخوانهم
والأيام تتكدس ليس كذكريات بالطبع
بل كقناني فارغة رماها عشاق في البحر
وبداخلها رسائل مجهولة.
الأرض تعرف تماما ما يحدث
ليست حربنا تلك، إنها حربهم وبأجداثنا
ليست حربا قط إنها سوء توزيع للمعنى والدم
الدم والذي يكثر
يفقد قدرته على الاحتجاج
ويصبح جزءا من اللعبة
كالغبار
كالصمت
كالأسماء الملغومة.
كل فكرة او قيمة حين تُجبر على الانتصار
تفقد حقيقتها
وكل حقيقة حين تعتمر البندقية
تتهجى القسوة والموت.
الوجوه لم تعد وجوها
إنها مجرد احتمالات
والملامح مجرد آثار أصابع تركها تجار الحرب ثم انسحبوا.
الخراب لا يرفع صوته
يعرف كيف يدخل من التفاصيل
من الضوء الناقص
من الماء المؤجل
من الانتظار حين يطول
الخراب يعمل بهدوء
كمن يعرف ألا أحد سيحاسبه
ف الجميع مشغول بالبنكنوت.
الناس تعلموا كيف يصغرون
كيف يخففون أحلامهم
كيف ينجون بنصف قلب
وبنصف ذاكرة
وبنصف سؤال.
لم يكن الوطن يطلب خلاصا
إنه يطلب أن ينسى قليلا
أن تُرفع عنه الأيادي
أن يعاد إلى حجمه الإنساني
ذلك الحجم الذي لا يحتاج
إلى خرائط ولا حدود
ولا إلى بيانات
بل إلى نفس طويل
وقلب لا يُدار
إنه يطلب أن يترك وشانه
كي يتآكل بطريقته
أو ينقص عندما نزداد.








