أحمد فؤاد يكتب :حين انكشفت أميركا أمام التاريخ: من غرور القوة إلى سقوط الأخلاق

بعد أكثر من ثلاثة عقود على «طريق الموت» في الكويت، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمضي على طريقٍ آخر لا يقلّ مأساوية: طريق الأفول الأخلاقي.
فالقوة التي خرجت من حرب الخليج منتشيةً بانتصارها العسكري، تصطدم اليوم في غزة بمرآةٍ تُظهر وجهها الحقيقي؛ وجه الغرور والعجز الأخلاقي معًا.
الغرور القديم وعمى التاريخ
عندما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» في مطلع التسعينات، كان يعتقد أن الديمقراطية الليبرالية هي ذروة التطور الإنساني، وأنّ واشنطن أصبحت الوصي على مصير العالم. وكتب توماس فريدمان «سيارة الليكزس وشجرة الزيتون» ليصوغ فلسفة العولمة كأنها مشروع حضاري عالمي.
لكن ما سُمّي «عصر الانتصار الأميركي» لم يكن سوى فخّ الغرور؛ لأنّ التاريخ لا يتوقف عند أمةٍ واحدة، ولا يغفر لمن يظن نفسه نهاية الزمن.
من أفغانستان والعراق إلى غزة: انكشاف الأسطورة
منذ مطلع الألفية، غرقت الولايات المتحدة في حروبٍ عبثية أرهقت اقتصادها وروحها معًا. حربٌ ضد الأشباح في أفغانستان، وأخرى ضد الأوهام في العراق، خاضتهما كمن يريد إثبات أنّ السلاح يصنع المعنى.
لكن اليوم، في غزة، لم يعد السلاح دليل القوة بل دليل السقوط الأخلاقي.
فحين تمتلئ الشاشات بصور الأطفال تحت الركام، لا تعود «الحرية الأميركية» إلا كذبةً مفضوحة.
لقد كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة انحيازًا غربيًا فاضحًا، لم يعد حتى المواطن الغربي قادرًا على تبريره.
خرجت الحشود في شوارع واشنطن وباريس ولندن لتقول إنّ القيم التي تتغنّى بها حكوماتها ماتت في غزة.
لم يعد الصمت تواطؤًا فقط، بل فضيحةً أخلاقية تهزّ الضمير الإنساني بأسره.
ترامب وممداني… العلامة الفارقة
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا ما معناه:
«في شبابي لم يكن أحد يجرؤ على عدم إعلان دعمه لإسرائيل… واليوم يحصل العكس».
إنها جملة تختصر التحوّل في المزاج الأميركي ذاته؛ لم يعد الولاء لإسرائيل قاعدة مقدسة، بل أصبح عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على من يتبناه.
وجاء انتخاب السياسي الأميركي ذو الأصول الهندية–الأفريقية زهران ممداني، المجاهر بمناصرته لفلسطين، ليؤكد أن الجيل الجديد من المثقفين والناخبين في الغرب لم يعد يرى في إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بل كيانًا استعمارياً يعيش على الدعم الغربي وصمت الضمير العالمي.
لم يعد التغيّر في المزاج الأميركي مجرّد ظاهرة ثقافية أو طلابية في الجامعات، بل بدأ يتجسّد في صناديق الاقتراع نفسها.
ففوز ممداني لم يكن حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل إعلانًا بأنّ جيل ما بعد «طوفان الأقصى» قد تحرّر من عقدة الذنب التاريخية تجاه إسرائيل، وبدأ يرى القضية الفلسطينية من منظور العدالة لا من زاوية الدعاية الرسمية.
قال ممداني بعد فوزه:
«لن تكون نيويورك بعد الآن مدينة تُتاجر فيها بالإسلاموفوبيا لتحقيق الفوز في الانتخابات».
«انتصرنا لأننا أصررنا على أن السياسة لم تعد تُفرض علينا، بل هي ما نفعله نحن».
إنها عبارات تختزل تحوّلاً في الوعي السياسي الأميركي، حيث لم يعد الخوف من اتهامات «معاداة السامية» قادراً على إسكات الأصوات الحرة.
جيل ما بعد الحروب العبثية في أفغانستان والعراق، وما بعد الغضب الشعبي من المجازر في غزة، بدأ يسائل معنى «القوة الأميركية» نفسها. وهنا يتجلى أثر «طوفان الأقصى» لا في الشرق الأوسط فقط، بل في ضمير الغرب أيضاً.
نحو عالم ما بعد الغطرسة
العولمة التي بشّرت بها واشنطن تحوّلت إلى سلاحٍ ضدها.
فبينما كانت تظن أنها تصنع من الأسواق أدواتٍ لهيمنتها، استخدمتها الصين لتصعد بهدوء نحو القمة.
واليوم، في عالمٍ متعدد الأقطاب، تجد أميركا نفسها وجهاً لوجه أمام الحقيقة: أنّ القوة العسكرية لا تضمن الهيمنة، وأنّ الغرور هو أقصر الطرق إلى الأفول.
الخاتمة: من أفول القوة إلى انبعاث الضمير
لقد كانت الحروب تفضح أميركا في الخارج، لكنّ طوفان الأقصى فضحها في الداخل؛ أمام جيلٍ أميركيٍّ جديدٍ لم يعد يرى العالم بعين البنتاغون، بل بعين الضمير الإنساني.
فحين يهتف نوابٌ في نيويورك ضد الإبادة في غزة، وتُرفع الأعلام الفلسطينية في الجامعات الأميركية، ندرك أن الغرور القديم بدأ يتهاوى أمام وعيٍ جديد.
لقد خسرت أميركا الحروب حين كسبتها بالقوة، لكنها بدأت تفقد هيمنتها حين جعلت من القوة غايتها الوحيدة.
منذ أن قال جورج بوش الابن عبارته الشهيرة: «من لم يكن معنا فهو ضدنا»، دخلت الولايات المتحدة في نفقٍ من الغرور السياسي والعنف الأخلاقي؛ أرادت إخضاع العالم بالخوف، فارتدت عليها رهبتها سخريةً ورفضًا.
مارست واشنطن الهيمنة باسم «الديمقراطية»، والعقوبات باسم «العدالة»، والحصار باسم «حقوق الإنسان»، حتى غدت صورتها مرادفًا للتناقض والنفاق.
واليوم، في حرب غزة، انكشفت تلك الهيمنة بكل زيفها؛ فالقوة التي ادّعت حماية الحرية، تبارك قتل الأطفال، وتبرر الإبادة، وتدوس على القيم التي صنعت مجدها.
إنّ سقوط الإمبراطوريات لا يبدأ بانهيار الجيوش، بل بانهيار المعنى.
وأميركا، التي أرعبت العالم بشعارها: «من لم يكن معنا فهو ضدنا»، تجد نفسها اليوم وحيدة في مواجهة ضميرٍ إنسانيٍ عالميٍ يقول لها:
«من كان ضد الإنسانية… فالعالم كله ليس معه».









