حمزه الحسن يكتب :مدن كمعتقلات سرية

ـــــــــــــ من منا لا يحلم أن يعيش في مدينة مصممة على هوى قلبه؟ * ديفيد هارفي، مفكر ماركسي وعالم اجتماع، كتاب: مدن متمردة.
” لقد بقرت لك بطن باريس” هذا ما قاله البارون المهندس هاوسمان للامبراطور نابليون الثالث الذي طلب منه تحويل الجانب المتمرد من باريس
خلال انتفاضة كومونة باريس 1871 الى معتقل خفي.
قام هاوسمان الداهية بتحويل الجانب المتمرد من باريس الى معتقل عن طريق هندسة معمارية خفية بحيث حوّل الشوارع والحدائق وأماكن التسوق الى سجن كبير يمكن إغلاقه في أي وقت،من دون علم السكان.
رفض كبار كتاب فرنسا كالروائي فيكتور هيجو الانضمام للثورة وكذلك أميل زولا وجورج صاند وألفونس دوديه بسبب المذابح الوحشية للثوار.
خلال زيارتي الاخيرة الى مصر كان يجب الذهاب الى ميدان التحرير في القاهرة رغم ضيق الوقت ولقد وجدت بصمات هاوسمان في ميدان التحرير بعد” التطوير” وتم تضييق المساحة بحيث لا تستوعب تجمعات كبيرة في تحولات عاصفة : تم وضع المسلة الفرعونية وسط الميدان وتحول الى منطقة ضيقة محصورة مسورة لا تسمح بالتجمع.
حديقة زهور ونافورات وحوائط عازلة حول المسلة تمنع اي تجمع بشري ومثل هذا المكان الاثري المفروش بالزهور لا يناسب اي تجمع بشري في المستقبل بعد ان كان سابقا ارضا مفتوحة. توسيع ممرات السيارات وتضييق ممرات المشاة بحيث لا تصلح لحركة احتجاجية وبهذه الطرق وغيرها تم تحويل ميدان التحرير من مكان سياسي تاريخي الى مكان سياحي ـــــــــــــ منطقة عازلة ـــــــــــ وأي محاولة للتجمع السياسي ستكون عدوانا على التاريخ على المسلة الفرعونية وقلة ذوق وسحق الزهور .
تم توسيع الشوارع بدل الازقة الضيقة لكي لا تغلق بالمتاريس. صارت المساحة عارية ومفتوحة لا تسمح بالتخفي. اختفت الاكشاك التي تساعد على الاختفاء. الغي تاريخ ميدان التحرير وتحول الى وظيفة جمالية بلا ذاكرة لان كل شيء فيه جديد. صارت الزهور تؤدي وظيفة أمنية.
ليس ميدان التحرير حالة فريدة، بل أزيل ” دوار اللؤلؤة” في المنامة البحرين من الوجود وكان مركز الاحتجاجات الرئيسية في البحرين عام 2011. كان النصب التذكاري للؤلؤة يمثل رمزًا وطنياً. هدم بالكامل بل تم تحويله الى تقاطع شوارع يستحيل التجمع فيه. محو هندسي لكنه محو للذاكرة السياسية.
لم تسلم ساحة التحرير في بغداد من اعادة هندسة المكان: حواجز واعمال تجميل وأسوار لكي لا تتحول الى فضاء عام مفتوح. ساحة التغيير في صنعاء التي كانت مركز الاحتجاجات عام 2011 تحولت اليوم الى تقاطع مروري معقد يصعب جدا التجمع به.
المدينة العربية مصممة كسجن أو معتقل كبير، دون علم السكان ــ السجناء،
جميع شوارعها تلتقي في مركز المدينة بمؤسسة بوليسية،
شرطة أو أمن أو جهاز إستخبارات أو مقر حزبي، في حين يكون ملتقى الشوارع والمركز في مدن الغرب هو دار أوبرا أو صالة موسيقى أو مكتبة أو حديقة او متحف.
ليس فقط مركز المدن العربية يصب بمؤسسة أمنية علنية أو سرية،
بل محيط وحدود المدينة من الخارج، محاصرة إما بثكنة عسكرية أو مطار حربي، من غير نقاط التفتيش والمراقبة على الطرق الخارجية،
وتعرف بالسيطرات.
لقد دخل القطار الاراضي السويدية وكنت اعتقد انني ما زلت في النرويج إلا عندما تحدثت مع بائعة القهوة ومن لهجتها عرفت اننا دخلنا الاراضي السويدية منذ ساعات. لا حراسة ولا تفتيش.
في أية لحظة يتم إغلاق المدينة العربية من الخارج عندما يتعارض الشعب والسلطة ومن الداخل أيضاً بغلق الشوارع المؤدية لمراكز النظام الحساسة والجسور وتتحول الى ثكنة مغلقة أو معسكر إعتقال ويعيش الناس وهم حرية.
كان الجامع هو الملتقى في المركز عند تأسيس المدن، هو مكان العبادة والاجتماع والشورى، ومع الجامع ظهر السوق وحتى اليوم تتجاور الأسواق والجوامع مع المؤسسات الأمنية وعلى مر العصور إستعملت نظم الحكم المتوارثة الجامع كمؤسسة ترهيب وعقاب في خدمة النظام، توظيف الدين لصالح السياسة ليس جديداً .
حتى السوق كمؤسسة إقتصادية يمكن ان يتحول الى مؤسسة قمع يجري التلاعب به لغايات سياسية في تخفيض أو إخفاء السلع الأساسية للمشاغلة والالهاء وصرف نظر الجمهور عن قضية حساسة.
تشظي وانتشار واسع للنظام القمعي الخفي. نحن أمام نظام عقاب واسع بلا حدود ومعسكرات إعتقال مغطاة وموسعة مزروعة بالحدائق.
لا يتوقف الأمر على نظام المدن المحاصرة من الخارج فحسب،
بل هناك الحصار الداخلي: المنزل العربي التقليدي نسخة طبق الأصل من السجن” الحيطان العالية والنوافذ المشبكة الحديدية والأقفال الكبيرة
الحجم وقد أضيفت اليوم كاميرات المراقبة، والأبواب الخارجية
الصلبة والمتينة والشرفات الخلفية وبرامج التعقب المنزلية والحكومية من غير اجهزة مخابرات دولية.
الحديقة المنزلية في خلفية الدار لأن نظام الشرفة والحديقة يعكس
النظام الاجتماعي السائد ومستوى الانفتاح. ما يفصل اليوم بيني وبين الجيران هنا، هو حديقة بلا سياج صورة مختصرة للنظام السياسي والاجتماعي والثقافي،
لكن يمكنك عبور بحور وقارات وجبال ولا يمكن عبور” المسافة” الى الآخر ، ونظام المسافة ليس في الأمكنة بل في العلاقات والافكار : دع الآخر يفعل ما يريد دون اكراه او اساءة أو وصم وهو ما يجب أن يفعله هو وعيشوا بسلام وأمن وعدل.
في دولنا بتوافق غير معلن يتفق النظام السياسي مع النظام الاجتماعي
على نظام العزل والاعتقال السري بصرف النظر عن العناوين المزيفة لأن السلطة السياسية هي نتاج السلطة الاجتماعية.
المحصلة أمن مؤسس على القوة وأخلاق تتداعي حتى المثل العليا كالصدق والوضوح والنبل والتضحية والتضامن، وهي مثل عليا ولا يمكن القول إن الصدق عادة قديمة أو الوفاء والنبل وغيرها، هذه ليست عادات تسقط مع تعاقب الزمن ومفهوم الاخلاق اوسع من السائد لأن الاخلاق في الفن والكتابة الصادقة والحق في الاختلاف المشروع والابداع الفكري والوضوح والشفافية والرهافة وقبول الاخر المختلف ومنظومة واسعة من القيم ونحن نختزلها في مفهوم ضيق للغاية ومع ذلك تعرض هذا المفهوم للتعفن والتحلل وصل في بعض الحالات الى الاستباحة.
التحرر من الاستبداد السياسي لا يعني شيئاً كبيراً أمام منظومة واسعة من الاستبداد المسرطن والمنتشر في حجوم صغيرة .
نظام الاعتقال السري لا يشمل المدن، السجن، الثكنة فحسب، بل يتغلغل في أعمق شرايين المدينة، في مناهج الدراسة وخاصة الحقول الاجتماعية واللغوية واقفاص التفكير والقوالب والخصاء العقلي،
وفي الآداب والفنون والرياضة، وفي التحكم بالمكتبات العامة لدواعي حماية الحشمة كما لو ان الحشمة زجاج هش سريعة الانكسار مع ان الحشمة الحقيقية لا تكسرها كل ادوات الفولاذ والاغراءات والظروف.
في مناهج الأحزاب التي تلقن وتربي على نظام الطاعة الحزبي والعربي جاهز للطاعة لأنه مدجن ومروض من الولادة من خلال نظام أبوي
باترياركي Patriarchy صارم هو المصدر الجوهري للطغيان الشرقي ورحم الدكتاتورية حسب المفكر هشام شرابي وغيره. الطاعة مشروطة بالعدل والحكمة والحق وليس بالاكراه.
لا تتوقف مؤسسات القمع عند هذه الحدود، بل تمتد الى القبيلة والنادي والمعمل والمدرسة، وكلها تشكل” النظام السياسي” الذي نختزله بالحكومة فحسب.
يُصدم العربي عند اكتشاف السجون السرية لنظام دكتاتوري ولا يعرف ان الفارق في” الحجم” : التداعي النفسي والتعذيب الخفي يجري في المكانين والمصادرة نفسها وفقدان الامل والمصير وهو آلة ميكانيكية تفكك في أية لحظة ولو في سرير النوم.
النتيجة مؤسسة عقاب وسجن أبعد بكثير مما يتخيل عقل سوي وناضج.
مفهوم السجن عندنا يتجاوز نظام السراديب المغلقة وغرف الاعدام ونظام العقاب لأن المدن مصممة كسجون سرية وكذلك المنازل والحدائق والمناهج والشوارع،
مما يعني أن ولادة إنسان طبيعي داخل هذه المعتقلات معجزة تشبه ولادة عصفور من تمساح.
هذه ليست مدناً بل مستعمرات عقاب سرية تفوق مستعمرة “العقاب” لكافكا.
ــــــــــــــ مدينة ” أولسوند Ålesund” النرويج اسطورة حية فوق البحر. المدن الآمنة، الجميلة، تأخذ شكل سكانها: يبني الناس المدن على صورهم الثقافية والسياسية والاخلاقية والاقتصادية.
في مدن مثل هذه لا تحتاج الى الخيال لان الواقع نفسه أجمل من الخيال، تتحول المدينة الى شاعر والناس والاشياء والبيوت والحرية الى قصائد.









