كتاب وشعراء

دلالات الزمن في نص «كوردستان نشيد الجبل الأخير» للشاعر الكردي السوري زكريا شيخ أحمد الجزء الثالث بقلم محمد وليد يوسف

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

هذه الدلالات هي مفتاح لفهم كيف يصنع النص شعور الحركة التاريخية، والقيامة، والمقاومة، والمستقبل.

أولاً: الفجر – ميلاد الجبل والبداية

“حين انفتح الفجر الأول كانت الأرض تبحث عن كتفٍ تستند إليه”

الدلالة الزمنية: الفجر يمثل البداية المطلقة ، ولادة شيء جديد بعد ظلام.

الدلالة الرمزية: الجبل يولد في الفجر، أي أن الهوية الكردية موجودة منذ البدايات، وأن التأسيس هو دائم ومستمر.

الوظيفة الفنية: الفجر يربط الأرض بالرمز الأسطوري، ويهيئ القارئ لرحلة الملحمة التاريخية.

ثانياً: الليل – الموت، الصمت، والانتظار

“و حين ضاق الليل بصمت الأحياء، انفجرت الأرض من تحت أقدام القتلى”

الدلالة الزمنية: الليل يمثل الظلم، الصمت، الأسر، المأساة.

الرمزية:

الليل = فترة الظلام السياسي، القمع، الانكسار.
يظل الليل يحاول احتجاز الشعب رهيناً، كما في نصوصه السابقة عن النجاة.
الوظيفة السردية: يظهر الليل كقوة معارضة للنور/الحرية، فيزيد من قيمة الانبعاث والنهضة.

ثالثاً: النهار/الضوء – الانبعاث والقيامة

“فتاة صغيرة خرجت من بين الأنقاض وهي تحمل شظية ضوء”

الرمزية الزمنية:الضوء/النهار يمثل البعث، الأمل، الانتصار بعد الليل الطويل.

وظيفة النص:

الزمن هنا ليس مجرد ساعة في اليوم، بل رمز للتحول التاريخي والوجودي.

الضوء يولد من الظلام، أي أن القيامة تُصنع من ألم الماضي.

العلاقة بالرموز الأخرى: شظية الضوء التي يحملها الطفل/الفتاة مرتبطة بمستقبل الشعب وهويته، لتغدو النهاية بداية جديدة.

رابعاً: الحاضر/اللحظة الراهنة

النص لا يتوقف عند الماضي أو المستقبل، بل ينقل القارئ في اللحظة الراهنة المملوءة بالوعي:

“نهض الجبل مرة أخرى وارتدى اسمه، ومشى الشعب تحت ظله”

دلالته الزمنية: الآن هو الزمن الذي يرى فيه الشعب أثر التاريخ، وينطلق نحو الفعل.
وظيفته الرمزية:
اللحظة الراهنة تجمع الماضي والمستقبل في استمرار المقاومة والوعي.

خامساً: الزمن الدوري – الميلاد والموت والنهضة

النص كله يشير إلى دورة زمنية مستمرة:

الفجر = الولادة
النهار = العمل/الحرية
الليل = القمع/الموت
الانبعاث = القيامة

الزمن هنا ليس خطياً، بل دائري: الماضي يولد المستقبل، والألم يولد القوة، والانكسار يولد الصعود.

وظيفته: يعطي النص إيقاعاً ملحمياً، وكأن الشعب نفسه يعيش دورة حياة رمزية.

سادساً: الزمن التاريخي – الربط بين الفرد والجماعة

الطفل، الشيوخ، الأبطال، القتلى: كلهم موجودون في زمن مزدوج:

زمن الحدث (ما يحدث الآن)
زمن الرمزية (ما يمثله في الهوية المستمرة)

هذا الدمج بين الزمن الفردي والجماعي يعزز فكرة أن الهوية الكردية لا تموت، بل تتجدد عبر الأجيال.

خلاصة تحليل دلالات الزمن

1. الفجر → ميلاد، بداية أسطورية، تأسيس الجذر.
2. الليل*→ قمع، ألم، صمت، موت، اختبار الهوية.
3. النهار/الضوء → قيامة، صعود، أمل، انتصار بعد الألم.
4. الحاضر → لحظة الوعي والفعل، إذ يتحقق التاريخ في الفعل الإنساني.
5. الزمن الدوري → ميلاد/موت/نهضة، يشكل إيقاع النص الملحمي ويعكس صيرورة الشعب الكردي.
6. الزمن الرمزي والتاريخي → يربط الفرد بالمجتمع، الماضي بالحاضر والمستقبل، و يحوّل كل حدث شعوري إلى ملحمة دائمة.

نص الملحمة

كوردستان نشيد الجبل الأخير

(ملحمة شعرية من خمس قصائد قصيرة)

1
ميلاد الجبل

حين انفتح الفجرُ الأول
كانت الأرضُ تبحث عن كتفٍ
تستند إليه،
فأعطاها الجبلُ عظمةً تشبه قلباً
لم يُخلق ليرتاح.

و من تلك العظمة وُلدتْ أرضٌ
تجرّحُ الوافدين و تضمّ أبناءها،
أرضٌ تعرف أن الحزن قدَرُ الشعوبِ الكريمة،
و أن الكرامة لا تُعلَّمُ و إنّما تُورّث.

سمّوها كوردستان، لكنّها في سرّها
تحمل أسماءً لا تنطقها إلا الريح
و لا تحفظها إلا النسورُ التي لم تخضع يوماً
لسماءٍ ضيّقة.

2
حكاية النهر الذي عبر الدماء

على ضفاف نهرٍ شُقّ بحدّ السيوف،
كان الرجالُ يرفعون نداءاتهم
كأنهم يرفعون السماء.

لم يكن النهر ماءً، كان ممراً للموت و البعث،
كان شرياناً تجري فيه خطواتٌ
تعرف أن الحرية تُكتب أولاً على عظام الضحايا قبل أن تُكتب في الكتب.

و حين سال الطينُ بدماء الذين
لم يُمنحوا حقّ الموت بسلام،
غنّت النساءُ أغنيةً تجعل الحجارة تبكي
و ترفع الجبالُ لغتها
كما تُرفع الأكفّ في الصلاة.

3
صعود الأمة

من كلِّ قريةٍ خرج طفلٌ
يحمل في جيبه حرفاً ممنوعاً
و من كلِّ مدينةٍ خرج شيخٌ
يدوّن على عصاه خريطةً
تخاف الدول أن تراها.

في الليل كانت الجبال تنحني قليلاً
لتسمع كيف يربط الناسُ أصواتهم
بأعناق الأحلام
و كيف يصنعون من الضياع وطناً يمشي.

لا شيء أقسى من أمةٍ
تعرف أن الظلم ليس قدراً ،
بل خصماً يمكن هزيمته.

4
انبعاث كوردستان

و حين ضاق الليل بصمت الأحياء،
انفجرت الأرضُ من تحت أقدام القتلى،
و قال الظلّ لصاحبه:
قُم… فالطريقُ لم يُخلق
ليُطوى.

رصيفٌ مهدومٌ صار نشيداً،
غرفةٌ محروقة صارت مهداً ،
و فتاةٌ صغيرة خرجت من بين الأنقاض
و هي تحمل شظيةَ ضوء
و تقول:
“هذه بلادٌ لا تموت،
فهي تلد نفسها
كلما مزّقوها.”

و هكذا …هكذا
نهض الجبلُ مرة أخرى
و ارتدى اسمه،
و مشى الشعبُ تحت ظله،
لا ليحتمي… بل ليكبر.

5
كوردستان

كوردستان
ليست سطراً في كتاب،
و لا دمعةً على خدّ التاريخ،
إنها جسدٌ يقاوم و يفهم أن الحقّ
قد يمشي ببطء، لكنه يصل.

و إذا سقط النهار تنهض هي
و إذا ضاق الهواء توسّعه
و إذا انطفأت الأصوات تصدح جبالها
بصوتٍ يعرفه الذين يولدون للحرية
و لو خذلتهم كلُّ الخرائط.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock