تاريخ العرب

عبدالرحمن_الداخل. الفتى الهارب

رحلة الشاب الأموي: استعادة مجد بني أمية في الغرب

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

في عام 753 ميلادي، كان شاب أموي يدعى عبد الرحمن بن معاوية، لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يعيش في المنفى بعيدًا عن #دمشق، يحمل في قلبه حلمًا كبيرًا: استعادة مجد عائلته في أرض الأندلس البعيدة. لم يكن مجرد هارب خائف من بطش #العباسيين، بل كان قائدًا ذكيًا، صبورًا، يخطط خطواته بعناية كما ينسج العنكبوت شبكته في الظلام.
بدأ الأمر بإرسال مولاه المخلص بدر إلى الأندلس كرسول سري. مهمة بدر كانت بسيطة لكنها حاسمة: استكشاف الأرض، معرفة من يحكم، ومن يمكن أن يقف إلى جانبهم. عاد بدر بأخبار مشجعة؛ الأندلس تعاني من الفوضى تحت حكم يوسف الفهري، البربر غاضبون من ظلمه، والكثيرون يتذكرون أيام الأمويين بالخير والحنين.
استغل عبد الرحمن هذه الأخبار بذكاء. بدأ يكتب رسائل سرية إلى كل من يكن الولاء لبني أمية، يذكرهم بمجد أجدادهم، بسخاء معاوية بن أبي سفيان وحكمته. ثم مد يده إلى البربر المقهورين، واعدًا إياهم بالعدل والمساواة. ولم ينسَ الأمويين المتفرقين في أنحاء العالم الإسلامي، فدعاهم للانضمام إلى حلمه.
مرت عامان كاملان من التخطيط والانتظار. وفي عام 755، جاء رسول من بدر يحمل الخبر المنتظر: “الأندلس مستعدة لاستقبالك!” سأله عبد الرحمن عن اسمه، فقال: “غالب التميمي”. ابتسم عبد الرحمن وقال بهدوء: “الحمد لله، غلبنا وتم أمرنا!”
في لحظة جريئة، أبحر عبد الرحمن وحده على سفينة صغيرة عبر البحر المتوسط، متحديًا الأمواج والمخاطر. وعندما وطئت قدماه شاطئ الأندلس، كان بدر في انتظاره كأخ عزيز. توجهًا معًا نحو الداخل، يجمعان المؤيدين يومًا بعد يوم: الأمويون المخلصون، البربر الغاضبون، واليمنيون الذين سئموا حكم يوسف الفهري.
حاول عبد الرحمن أولاً السلام. أرسل رسائل إلى يوسف يعرض عليه التنازل عن الحكم مقابل منصب مرموق له. لكن يوسف رفض بغرور، فلم يبقَ أمام عبد الرحمن سوى المواجهة.
في مايو عام 756، التقى الجيشان في معركة عنيفة عُرفت بـ”معركة المسارة”. كان جيش عبد الرحمن أصغر، لكنه أكثر حماسًا. قبل القتال، سمع أن بعض اليمنيين يشكون في شجاعته، خوفًا من أن يفر على جواده الأشهب السريع. فذهب إلى قائدهم أبي الصباح وقال: “جوادي سريع جدًا، لا يناسب القتال القريب. خذه وأعطني بغلتك”. تبادل الاثنان الدواب، فانتشر الخبر بسرعة، وازداد حماس الجيش. قاتلوا ببسالة، وانتصر عبد الرحمن، وفر يوسف مهزومًا.
بعد النصر، أراد جنوده مطاردة الفارين للقضاء عليهم نهائيًا. لكن عبد الرحمن منعهم بحكمة، وقال كلمات خالدة: “لا تتبعوهم، اتركوهم يعيشون. لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم يومًا ما”. كان يعرف أن العدو الحقيقي ليس المسلمين بعضهم لبعض، بل الممالك المسيحية في الشمال التي تنتظر الفرصة
رغم أن أبا الصباح حاول الخيانة لاحقًا، تعامل عبد الرحمن مع الأمر بهدوء وحذر، دون أن يثير فتنة جديدة. في النهاية، سيطر على الأندلس كاملة، وأسس إمارة أموية قوية استمرت قرونًا.
هكذا تحول الشاب الهارب الوحيد، الذي وصل إلى #الأندلس بلا جيش ولا مال، إلى أمير عظيم يُلقب بـ”الداخل”، رمزًا للصبر والذكاء والرؤية البعيدة، تروي قصته صفحات التاريخ بإعجاب حتى اليوم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock