علاء عوض يكتب :كيف بيع مادورو، وكيف شُلّت أسلحة الصين، و وما الأثر علي ميزان الطاقة والذهب ؟

لم يُخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لأن أحدًا وشى به فقط ولم يسقط لأن عميلاً دلّ المخابرات الأمريكية على موقعه.
هذه رواية فقيرة، وسطحية تصلح للأفلام الرديئة، لا للسياسة الكبرى.
، لا لشرح ما يجري في عالم يقوده قرصان مثل ترامب
ان ما حدث في فنزويلا لم يكن عملية أمنية، بل عملية سيطرة شاملة.
سيطرة على المعلومة قبل السيطرة على الأرض،
وسيادة على الفضاء الكهرومغناطيسي قبل أي تحرك بري،
وهيمنة عبر الذكاء الاصطناعي عطّلت المنظومة الدفاعية الصينية، ثم تركت الجسد السياسي لفنزويلا عاريًا…
ليُؤخذ بلا مقاومة، وبلا بطولة، وبلا ضجيج.
في الأساطير الاغريقية القديمة، لا يضرب الاله زيوس خصومه بالبرق مباشرة، بل يسرق منهم القدرة على الرؤية.
ومن يفقد الرؤية يصبح صيدا سهل
وهذا بالضبط ما جرى في فنزويلا. فمادورو لم يُهزم داخل القصر الرئاسي،
بل هُزم لحظة شُلّت الرادارات،
حين انقطعت الكهرباء،
وحين انهارت منظومة القيادة والسيطرة. الفنزويلية
بعدها أصبح تحديد موقعه، وتتبعه، ، ثم القبض عليه
تفصيلًا تقنيًا… لا معركة في ذلك ولا مجد.
الذكاء الاصطناعي الأمريكي لم يكن أداة دعم في الخلفية،
بل كان العقل القائد الذي أدار المشهد كاملًا. .
حتي توقيت الخطف ارسل به ترامب رسالة ساخرة للصين
فالقبض على مادورو لم يأتِ عشوائيًا،
بل جاء عقب استقبال وفد صيني رفيع.
وهنا تُقرأ الرسالة بلا مواربة:
يمكنكم الاستثمار. يمكنكم البيع والشراء.
لكن السيادة هنا… ليست لكم.
كانت تلك لحظة إذلال استراتيجي لبكين،
وإعلانًا صريحًا أن الصين، في نصف الكرة الغربي،
ليست إله الإغريق الخارق زيوس…
بل مجرد مهرج.
لسنوات، باعت الصين لفنزويلا ما اعتقده مادورو أنه “أقوى شبكة دفاع جوي في أمريكا الجنوبية”.
رادارات JY-27 وJYL-1، التي قيل إنها ترى طائرات الشبح،الأمريكية وتصطادها كأنها عصفورة وتقهر التفوق الجوي الأمريكي.
ولكن عند أول اختبار حقيقي أسقط الأسطورة.
في الموجة الأولى: شلل إلكتروني شامل،
تشويش كثيف،
صواريخ مضادة للإشعاع،
وانهيار مركز القيادة والسيطرة الفنزويلي خلال الدقائق الأولى.
لم تدافع فنزويلا عن مادورو،
لأن المعركة كانت قد انتهت… قبل أن تبدأ.
الرادارات الصينية لم تُهزم لأنها سيئة التصنيع،
بل لأنها لا تعيش داخل شبكة ذكية مقاومة للتشويش.
وهنا تظهر الفجوة القاتلة:
الصين تبيع أجهزة. و أمريكا تصيبها بالشلل
ما حدث في فنزويلا لم يكن فقط نصرًا سياسيًا،
بل استعراضًا حيًا لأحدث أشكال الحرب التكنولوجية.
شركة بالانتير الأمريكية لتكنولوجيا الحرب كانت حاضرة ، في هذه المعركة لتعلن عن نموذجً لمرحلة جديدة من الصراع:
ربط الأقمار الصناعية،
تحليل الإشارات،
استهداف الشبكات،
شل الكهرباء،
وإخراج مراكز القيادة والسيطرة للعدو من الخدمة في توقيت واحد.
اختفاء رئيس دولة فنزويلا بهذه السهولة
يفسر لماذا قفز سعر سهم شركة Palantir قفزات غير مسبوقة العام الماضي وتضاعف سعره عشرات المرات
ولماذا مُنحت عقودًا بأكثر من 10 مليار دولار أغسطس الماضي
ولماذا أصبح “الاستهداف بالذكاء الاصطناعي”
سلاحًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن القنبلة النووية.
فنزويلا كانت الدليل العملي على أن
زمن حرب الدبابات يقترب من نهايته،
وأن المستقبل لحرب العقول،
وللسيطرة على نظم المعلومات قبل السيطرة على الأرض.
النتيجة الأهم لخطف مادورو لم تكن عسكرية فقط،
بل نقدية – استراتيجية.
الولايات المتحدة اقتربت من إعادة فنزويلا،
ومعها أمريكا الجنوبية، إلى المدار المالي والسياسي الذي تسيطر عليه،
وأغلقت نافذة نفطية كانت تعمل خارج السيطرة.
لكن الأهم: انها
أُجبرت الصين عمليًا على العودة لشراء النفط بالدولار.
لهذا قال ترامب ببرود محسوب:
لا مانع من استمرار بيع نفط فنزويلا لكم.
الرسالة كانت واضحة لكل الدول المنتجة:
اللعب خارج الدولار له ثمن.
صدام حسين أُعدم لأنه فكّر في كسر هذه القاعدة.
وفنزويلا كانت تسير في الاتجاه نفسه.
ثمانون في المئة من نفطها كان يذهب إلى الصين،
ومن المؤكد أن الدفع لم يكن بالدولار.
حلم بكين كان عملة موازية لدولار
مخنوق بأكثر من ستة وثلاثين تريليون دولار من الديون.
لكن الدولار، منذ فك ارتباطه بالذهب في سبعينيات القرن الماضي،
استمد قوته من كونه عملة النفط العالمية.
الصين اقتربت من الإطاحة بهذا العرش
عبر شراء نفط إيران وروسيا وفنزويلا بعيدًا عن الدولار،
وتكديس احتياطي ضخم من الذهب.
لكن مع سقوط مادورو،
حتى الذهب نفسه سيسير في ظل الدولار لا ضده.
فالسيطرة على فنزويلا لا تعني النفط فقط،
بل التحكم في تدفقات الذهب أيضًا.
فنزويلا تملك أكبر احتياطي ذهب في أمريكا الجنوبية:
أكثر من خمسة ملايين أوقية.
وهذا يعني ضرب أحد أهم مخازن القيمة
التي تراهن عليها الصين في معركتها النقدية.
درس فنزويلا كان قاسيًا،
لا على كاراكاس وحدها،
بل على بكين أيضًا.
وإذا لم تُراجع الصين حساباتها الاستراتيجية والتكنولوجية سريعًا،
فإن الدور قد يصل إلى البرازيل،
وعندها ستكون الضربة القاضية:
إعلان وفاة مشروع البريكس.
لهذا، أكاد أجزم أن لعبة فنزويلا لم تنتهِ كما يروج ترامب.
فالسيطرة الذكية لا تُستكمل دون وجود فعلي لجنوده على الأرض، وما زالت تلك الحلقة غير مكتملة.
لو كان حكيم الصين العسكري صن تزو حيًا اليوم،
لما نصح الصين بالحرب، بل بالحذر.
لقال للرئيس الصيني:
قبل أن تفكر في عبور المضيق نحو تايوان،
اسأل نفسك:
ماذا لو عبرت الدبابات…
وبقيت العقول مشلولة؟
ماذا لو تحرك الأسطول…
بينما الرادارات عمياء؟
ماذا لو بدأت المعركة…
وقد خسرتم الرؤية قبل الطلقة الأولى؟
في الحرب الحديثة،
من يفقد الشبكة ومركز القيادة يخسر المعركة
وفنزويلا لم تسقط لأنها ضعيفة،
بل لأنها دخلت معركة بعقل القرن الماضي.
وتلك هي الكارثة التي علي الصين معالجتها
إن سقوط مادورو لم يكن مجرد سقوط لنظام سياسي، بل كان ‘هيروشيما رقمية
فالدرس النهائي الذي كُتب بدموع مادورو في صراع العمالقة لن يُهزم الخصوم بطلقات الرصاص، بل بـ ‘انقطاع الإشارة’. ومن لا يملك كود الخوارزمية ، لا يملك حق البقاء.









