لصوص الأمل .. قصة قصيرة للأديب محمد الشرقاوي

لصوص الأمل
قصة قصيرة للأديب محمد الشرقاوي
يصل الطفل عصام صاحب الأعوام الثمانية إلى باب شقته والسعادة تقفز من عينيه، أما قسمات وجهه فتفصح عن نجاح في أول مهمة منزلية تسندها إليه والدته، ألا وهي شراء بعض الفاكهة من السوق المجاور، يرن جرس الباب بإحدى يديه، أما الأخرى فتحمل ما قام بشرائه،
يجول في خاطره رد فعل الأم ومدى سعادتها عندما ترى بعينيها جودة الفاكهة فتمنحه الثقة وتسند إليه المزيد من المهام، قال لها عدة مرات: لقد كبرت وأستطيع مساعدتك في شراء ما يلزمنا فكانت تبتسم وتثني عليه.
تفتح الأم الباب لتقابل وليدها بالأحضان والقبلات، تأخذ منه كيس الفاكهة لتمضي مسرعة نحو المطبخ، تغسل بعض الحبات وتقطعها بشكل هندسي رائع ثم تقدمها له وتجلس بجواره ، تعبر عن سعادتها بتفوقه وتبدي إعجابها الشديد بحسن اختياره للفاكهة، تطعمه بيدها وتحدثه عن برنامجه لهذا اليوم وما يجب إنجازه نحو واجباته ودروسه.
يواصل عصام تناول قطع الفاكهة بينما تقوم الأم باستكمال أعمالها المنزلية من ترتيب الحجرات إلى غسل الأواني وجمع الملابس التي ستقوم بغسلها إلى غير ذلك، يعرض عليها المساعدة، لكنها تطلب منه تناول الفاكهة ثم القيام بمراجعة دروسه والعودة إليها عند تعسره في فهم معلومة ما ثم ممارسة هوايته في الرسم والتلوين، يدرك الفتى مدى أهمية الأم ودورها في مساعدته وتوفير سبل الراحة والتفوق، يتذكر كلماتها التي ترددها دائما: أنت موهوب وسوف تحقق أحلامنا.
ينهي الصغير تناول قطع الفاكهة ثم ينهض متجها نحو المطبخ لوضع الطبق الفارغ، ما زال في عينيه أشكال الفواكه الطازجة عند البائع وهي مرصوصة بطريقة هندسية جميلة تسر العين ، يضع الطبق ثم تقع عينه على سلة القمامة، يلاحظ ازدحامها لدرجة ارتفاع غطائها،
يتعجب قائلا: لقد مر عامل النظافة صباح اليوم، يأخذه الفضول للنظر، يرفع الغطاء، يصاب بصدمة قاسية، إنها الفاكهة التي أحضرها منذ قليل ويبدو أنها فاسدة تماما، تتغير ملامحه لترتسم على وجهه علامات الحزن والحسرة، يسمع صوت أمه: أين أنت يا عصام؟ لماذا لا تذاكر دروسك؟
يخرج الطفل من المطبخ باكيا فتدرك الأم ما حدث، تحتضنه قائلة: لا تحزن، بعض البائعين ليس لديهم ضمير ولا أخلاق وما حدث معك يحدث مع كثيرين غيرك، يدور بخاطرها مشهد أحد البائعين عندما اعتدى باليد واللسان على رجل عجوز طلب منه تبديل بعض حبات الفاكهة الفاسدة، وبينما كان الجميع يرون ذلك إلا أن أحدا لم يتدخل أو ينطق كلمة حق،
تكتم ذاك المشهد عن أسماع وليدها حتى لا يشب على الخوف والانطواء، تحاول مداعبته رغم علمها بما يشعر به من ألم وصدمة في هذا المجتمع، تقول لنفسها: ليتني أستطيع إصدار قانون يفرض معاملة خاصة من البائعين للأطفال وكبار السن.
يعود الفتى إلى هدوئه شيئا فشيئا ثم يقوم بتصوير إحدى حبات الفاكهة الفاسدة وينشر تلك الصورة على جميع وسائل التواصل الاجتماعي كاتبا فوقها: لقد باع لي بالسعر الذي حدده ولم يعطني الفاكهة التي أريدها. تنتشر الصورة سريعا لتحصد آلاف التعليقات والمشاركات، يراسل أصدقاءه عبر الخاص ليوضح لهم اسم البائع وعنوانه داعيا أهل الحي جميعا لمقاطعته.
—————————
– من المجموعة القصصية (حين ترقص الأحلام) المقررة بمكتبات المدارس الإعدادية والثانوية العامة









