وحده الليل شعر: حسين السياب

وحده الليلُ
يمتدُّ مثلَ نهرٍ أسود
يبتلعُ أصواتَ العابرين
ويتركُ لهم
شظايا صمتٍ
يضعونها تحت الوسائد..
الشوارعُ حزينةٌ
تتدثّرُ بعريها
وتُخبّئ في كلّ زاويةٍ
عظامَ حلمٍ قديم
كأنها مقابرُ مفتوحةٌ
على هواءٍ متعفّن..
المصابيحُ المرتجفةُ
تسعلُ نوراً مريضاً، تذكّرني بقلوبٍ
أطفأها الانتظار
وبأرواحٍ لم تجدْ مقعداً في حافلةِ النهار..
الأرصفةُ الملطّخةُ بالعار
تجرّ خلفها ذاكرةَ من باعوا صمتهم
بأبخسِ الأثمان،
ومن وضعوا أسماءَهم
في مزادِ العابرين
فلم يتبقَّ منهم
غيرُ غبارٍ يصرخُ حين تدوسه الخطى..
في هذه المدينة
لا شيء يكتمل
الأبوابُ لا تُفضي إلى بيتٍ،
والنوافذُ لا تعرفُ وجهَ الريح..
حتى السماء
تتردّدُ في أن تمطر
كأنها تخشى أن تغسلَ جراحاً
لم تُكتبْ لها مغفرة..
أقفُ على حافة الليل
أُصغي إلى ارتجافِ حجارةٍ
تحلمُ أن تعودَ طيناً
وأفكّر:
(هل نحن كائناتٌ عابرةٌ
تحاول أن تزرعَ المعنى
في تربةٍ يابسة…؟)
غير أن الليل
برغم قسوته
يمنحني سكينةً خفيّة
كأنني حين أواجه العدم
أكتشفُ أنني موجود
وحين أفتّشُ عن موتي
أصيرُ أكثر حياة…
هكذا
أمضي مع الليل
أعانقُ ظلاله
وأنتظرُ فجراً
قد لا يجيء..
لكن يكفيني أني كتبتُ على صدر الظلام؛
أن الإنسانَ ينهضُ
حتى من رمادِه…









