أحمد فؤاد يكتب : أمريكا… إمبراطورية الشر حين تسقط من علياء الادّعاء

لم يعد السؤال اليوم: هل تستخدم الولايات المتحدة القوة؟ فالقوة كانت دائمًا جزءًا من منطق الإمبراطوريات. السؤال الأخطر هو: كيف تُستخدم القوة؟ ولماذا؟ وبأي ثمنٍ رمزي؟
ما جرى على الساحة الفنزويلية ليس مجرد فعل قسري في نزاع سياسي، بل علامة كاشفة على تحوّل أعمق في بنية السلوك الأميركي، حيث لم تعد القوة وسيلة لحماية نظام دولي تدّعي قيادته، بل أداة استعراض فجّ تُمارَس بلا حاجة إلى تبرير، وكأن الشرعية لم تعد مطلوبة أصلًا.
على امتداد القرن العشرين، نجحت الولايات المتحدة في تسويق نفسها بوصفها “الاستثناء الأخلاقي” في تاريخ الإمبراطوريات: دولة قوية، نعم، لكنها – كما ادّعت – مقيدة بالقانون، ومحكومة بالقيم، وخاضعة لمؤسسات. هذا الادّعاء لم يكن تفصيلًا دعائيًا، بل كان العمود الفقري لهيمنتها الناعمة، والسبب الذي جعل كثيرًا من شعوب العالم تتسامح مع تفوقها، أو تتغاضى عن تجاوزاتها.
غير أن هذا القناع يتآكل اليوم بوتيرة متسارعة.
اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، منتخب من شعبه، واقتياده مكبّلًا خارج بلاده، لا يمكن فهمه فقط كخرق قانوني أو سابقة دبلوماسية خطيرة، بل يجب قراءته بوصفه انكسارًا أخلاقيًا علنيًا. فالدولة التي كانت تطالب العالم باحترام المؤسسات الدولية، هي نفسها التي قررت تجاوزها، لا بدافع الضرورة، بل بدافع الاستعراض.
هنا تحديدًا، تتحول القوة من عنصر ردع إلى عبء رمزي. فالقوة التي لا تحتاج إلى تبرير، هي قوة فقدت ثقتها بذاتها. والدولة التي تفرض الوقائع بدل أن تقنع بها، تعترف ضمنيًا بأن خطابها لم يعد مُقنعًا.
لا يمكن فصل هذا السلوك عن التحوّل الذي أصاب العقل السياسي الأميركي في السنوات الأخيرة، حيث تراجعت الدولة المؤسسية أمام منطق الشخصنة، وصعد أسلوب حكم يرى العالم ساحة صفقات، والخصوم أهدافًا للإذلال العلني، والإعلام مسرحًا لا يقل أهمية عن الميدان. في هذا السياق، لم تعد السياسة الخارجية تُدار بمنطق التوازن، بل بمنطق الصدمة.
فنزويلا، في هذا المشهد، لم تكن الهدف الحقيقي. الهدف كان الرسالة.
رسالة إلى العالم الجنوبي بأن زمن القواعد قد انتهى، وأن السيادة باتت مشروطة بالامتثال، وأن من يخرج عن النص قد يُسحَب من المشهد بالقوة. ولهذا لم تُقرأ الواقعة في أميركا اللاتينية كحدث محلي، بل كإحياء لذاكرة طويلة من الانقلابات والتدخلات والوصاية.
لكن المفارقة التي أربكت هذا الاستعراض، أن الدولة الفنزويلية لم تنهَر. لم تتفكك المؤسسات، ولم يحدث الانقلاب الموعود، ولم يُنتَج “نصر نظيف”. وهنا ظهر الخلل الجوهري: فعل عنيف بلا نتيجة سياسية حاسمة.
الأخطر من الفعل كان المشهد المصاحب له. الكاميرا لم تكن شاهدة، بل شريكًا. الصورة لم تُستخدم لتوثيق الحدث، بل لفرض تفسيره مسبقًا. وفي زمن الإعلام الكوني، يصبح التحكم في الرواية محاولة يائسة لتعويض غياب الشرعية.
هذا كله يحدث في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث كشفت الحرب على غزة حدود الخطاب الغربي، وفضحت الانتقائية الأخلاقية في الدفاع عن حقوق الإنسان. في هذا السياق، لم يعد ممكنًا فصل أي ممارسة قسرية جديدة عن هذا الانكشاف العام. كل فعل إضافي، مهما حاول أصحابه تبريره، يتحول إلى دليل اتهام جديد.
إن العالم لا يشهد اليوم صعود “إمبراطورية شر” بالمعنى الكلاسيكي، بل يشهد سقوط ادّعاء الخير. والفارق بين الاثنين جوهري. فالإمبراطوريات القديمة لم تدّعِ الفضيلة، أما الإمبراطورية التي تفعل ذلك ثم تنتهك كل ما بشّرت به، فإنها لا تخسر معركة، بل تخسر معناها.
والتاريخ، حين يكتب فصوله الأخيرة، لا يسأل: من كان الأقوى؟ بل يسأل: من حافظ على شرعيته حين امتلك القوة؟









