رؤي ومقالات

إدريس آيات بكتب:الضربة التي ارتدّت: كيف صنعت إهانات ترامب وحدة فنزويلية غير مسبوقة؟

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

توهّمت واشنطن أنّها تُزيح رأسًا من المشهد، فإذا بها تُوقظ بلدًا كاملًا أُهين في كرامته.
منذ العملية الأمريكية ضد نيكولاس مادورو، خرجت فنزويلا إلى الشوارع، وتحوّل الغضب الشعبي إلى التفاف، وعاد الرجل الذي أُريد شطبه من المعادلة أكثر حضورًا مما كان، داخليًا وخارجيًا. ما حُسب ضربة قاضية، ارتدّ فعلًا معاكسًا، وأعاد تعريف ميزان القوة والشرعية.
أظنّ أنّ ذروة الإهانة تجلّت في اللحظة التي أعلن فيها دونالد ترامب أنّ وزير حربه سيتولى إدارة فنزويلا إلى أن تتمكّن الولايات المتحدة، وفق توصيفه، من فرض «انتقال آمن وسليم وحكيم». غير أنّ الوقائع سارت في اتجاهٍ مغاير تمامًا لما خُطِّط له.
على الأرض، خرج المسلّحون الفنزويليون، ولم تتراجع الميليشيات حتى الآن، وخصوصًا الميليشيا البوليفارية وشبكات الميليشيات الحضرية المعروفة باسم «الكوليكتيفوس». لم تسمح هذه القوى لأيّ إدارة مفروضة من الخارج بأن تمسك بزمام البلاد، ولم تفتح المجال لما سمّته واشنطن «فريقًا انتقاليًا»، بل تحوّلت سريعًا إلى المحرّك الأساسي لمسارٍ يتشكّل على هيئة مقاومة فوضوية، مفتوحة، ومحفوفة بالمخاطر.
ربما جاءت هذه الخطوات متأخرة، لكنّها بدأت تكتسب زخمًا واضحًا. كان الاعتقاد السائد أنّ مستوى التحضّر الذي بلغته البشرية، وما رافقه من تقدّم تقني ومعرفي، كفيل بأن يجعل مثل هذه اللغة موضع اشمئزازٍ أخلاقي عام. غير أنّ ما حدث كشف وهم هذا التصوّر. فترامب ودائرته الضيّقة أظهروا أنّ منطق الغلبة العارية لم يغب، وأنّ الحسّ البدائي، بقوانينه الخشنة، لا يزال حاضرًا، يتقدّم حين تتراجع الأقنعة.
▪️لعبة المخابرات الأمريكية التي فشلت؛
يُضاف على ما سبق؛ أنّ مئات المقاطع، لآلاف الأشخاص في الشوارع، بدأت بالظهور تباعًا. مشاهد لا تنقلها الفضائيات الكبرى، ولا تجد طريقها إلى الشاشات المعروفة، لكنّها تنتشر عبر الإنترنت، وتتداولها الشعوب الحرة خارج غرف التحرير المنضبطة بالرواية الرسمية. ومع هذا السيل من الصور، تسقط تلقائيًا السردية التي روّجت لها واشنطن عن شعبٍ فنزويلي رحّب باختطاف رئيسه.
ما تكشّف لاحقًا أنّ الاستخبارات الأميركية كانت حاضرة على الأرض، تعمل بالتنسيق مع أطراف داخلية وُصفت بالخيانة، وتدير عملية التقاط صور ومشاهد انتقائية، أُريد لها أن توحي بأنّ هؤلاء هم «الشعب»، وأنّ الفنزويليين يحتفلون باختطاف رئيسهم «الدكتاتور» كما يحلو لهم أن يسمّوه. غير أنّ الواقع، كما فضحته الشوارع لا الكاميرات الموجّهة، كان يسير في اتجاهٍ مختلف تمامًا
في الخلاصة؛ هجوم ترامب على فنزويلا، وما رافقه من اختطافٍ وإهانة للرئيس نيكولاس مادورو والشروع في محاكمته، أفضى إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما أُريد له. بدل تفكيك الداخل، جرى توحيده. المعارضة، بمختلف أطيافها، وجدت نفسها في خندقٍ واحد مع الحكومة، تشارك في التظاهرات والاحتجاجات ضد الولايات المتحدة، وترفع مطلبًا واحدًا واضحًا: الإفراج عن مادورو. ما حُسب ضربة كاسرة، تحوّل إلى عامل لحمة وطنية فرضها شعور الإهانة وسيادة منطق القهر الخارجي.
كل المؤشرات تشي بأنّ مادورو لنْ يُطلق سراحه، لكن لن تحكم أمريكا فنزويلا، وغالبًا لن يهنأ له البلد كي يسرق نفطه أيضًا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock