رؤي ومقالات

جمال محمد غيطاس يكتب :وشهد شاهد من أهلها: السياسة الآن (يا تحكم يا تتحبس)

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

لم أكن أتصور أن يأتي اليوم الذي نجد فيه سيدة اختيرت نائبا بالبرلمان، وستشارك في صناعة التشريعات ومحاسبة الحكومة، ثم تتحدث فيخرج من فمها جملة نصها: (السياسة يا تحكم يا تتحبس).
ابسط تفكيك لمحتوي العبارة من مستوى البيانات الي المعلومة إلى المعرفة إلى الحكمة إلى السياق سنجدها التالي:
البيانات: سياسة ــ حكم ــ حبس
ــ المعلومة: الحاكم ينجو وغير الحاكم يذهب إلى الحبس
ــ المعرفة: العلاقة عكسية بين الحكم والحبس، فالحكم يمنحك الحرية، وعدم الحكم يسلبك إياها.
ــ الحكمة: عليك أن تظل في الحكم إذا كنت حاكما لتحمى نفسك من الحبس، أو تسعي إلى الحكم إن لم تكن حاكما لتجلب لنفسك الأمان.
ــ السياق الذي تصيغه الجملة: العلاقة بين السلطة الحاكمة والمواطن المحكوم ضاقت واستحكمت حلقاتها وباتت وقائمة على معادلة من طرفين:
ـــ الأول سلطة لم يعد أمانها مستندا إلي رضا الناس، بل بقهرهم وكفهم عن الحركة عنوة، مع الاستمرار في التسلط والتمسك بالحكم، وممارسة القسوة والقوة الغشوم.
ــ الثاني شعب لم يعد لديه شيء من رضا وقبول يمنحه للسلطة، وبات متلهفا على أي فرصة أو طوق للنجاة من عسفها، ليستدير ويبدأ مساءلتها على أي نحو، يدفع بسياسييها ومسئوليها الي الحبس،
بما أن من أتوا إلى البرلمان الجديد صنعتهم السلطة على عينها، ووفق إرادتها، وبما أن هذه السيدة واحدة من هؤلاء بل وتنتمي للقائمة المصنفة سياسا على أنها معبرة عن جانب الموالاة والتأييد للسلطة، فلا يوجد ما يمنع من القول بأنها تنطق بما يريده ويفعله ويطلبه من أتوا بها، ومن ثم فإن جملتها تدخل تلقائيا في السياق أو الإطار العام الذي يعبر عن جوهر ومحور الفكر الذي تتبعه السلطة ويلخص فلسفتها وقناعاتها تجاه طريقة الحكم وغاياته وأهدافه.
القاصي والداني يعرف أن المتاعب والتداعيات الثقيلة التي صبتها السلطة على رأس المواطن طوال الـ 12 سنة الماضية، هبطت بمستوى معيشته الي الحضيض، وضيقت عليه معيشته، وأصابته بالعجز أمام اسرته وابناؤه، وجعلت طعام السجن المكون من “عيش وحلاوة” أمر عزيز المنال على الملايين، لأن ثمن الرغيف ناهز الجنيهين، وثمن علبة الحلاوة الواحدة تخطى الـ 150 جنيها، فلو كان مسئولا عن اسرة من أربعة افراد، واطعمهم عيش وحلاوة في الوجبات الثلاث فالتكلفة ستتجاوز الـ 350 جنيها يوميا.
النتيجة المنطقية لهذا الوضع القاسي الخالي من الرحمة، أن يكون المواطن في وضعية تجعله متلهفا على اللحظة التي يتمكن فيها من رفع صوته، والمطالبة بحقوقه، ومساءلة من هزموه أمام زوجته واطفاله، وجعلوا معيشته شديدة المرارة.
هذه جملة ناجزة موجزة معبرة، شاء المولى عز وجل أن تخرج من فم هذه السيدة، التي انطبق عليها القول القرآني الكريم (وشهد شاهد من أهلها)
كل الغلابة والمساكين والمطحونين والعاجزين والمرضي والخائفين والواقفين على حافة مستقبل غامض يرفعون لك القبعة، فقد حملت عن الملايين منهم عبء ومخاوف النطق بهذا الوصف الجامع المانع الذي لخص السياسة الآن في أنها (يا تحكم يا تتحبس).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock