رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :قتلة بثياب رهبان

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

ـــــــــــــــ قبض امبراطور على قرصان بحري وسأله: كيف تجرؤ على إزعاج البحر؟ فأجابه القرصان: نحن سواء في الفعل يا سيّدي، لكن لأنّني أسرق بسفينة صغيرة أُسمّى لصاً، ولأنّك تفعل الأمر ذاته، بأسطول ضخم، تُسمّى إمبراطوراً”ـــــــــــ نعومي تشومسكي: قراصنة وأباطرة.
نحن من الشعوب التي تعتبر الحدث الاخير هو الحدث الاول في التاريخ والسبب قطيعة معرفية مع التاريخ وعلى ضوء ذلك يبدو الحدث الفنزويلي في اختطاف الرئيس كما لو انه الاول في التاريخ الامريكي لذلك يجب وضع هذا الحدث في سياق تاريخ أكبر وأوسع لتعميق الذاكرة وتعميق فهم الحدث كمسلسل ونهج وسياق.
الولايات المتحدة اغتالت رؤساء هم عملاء برواتب شهرية من وكالة المخابرات الامريكية بعد انتهاء صلاحيتهم أو عجزهم في ضبط الأوضاع أو يقظة متأخرة للمأجور والتابع أو في التمرد على المصنع المشغل أو صراع مصالح أو سياسة قطع الرأس والحفاظ على النظام خوفا من ثورة شعبية.
جميع نظم الحكم التي دعمتها الولايات المتحدة الامريكية كانت نظما فاسدة ومن حثالات ــــــــــــــــ وهو شرط جوهري للتحكم بهم ـــــــــــــ لم تتغير تغيرا جوهريا لكن يتم قطع الرأس للمحافظة على النظام، وقطع الرأس إما بأنقلاب أو إغتيال أو تحريك الشارع وعادة تجد في النظم الدكتاتورية ثغرات وفجوات لتنفيذ مشاريع هيمنة مع انها تدعم نظم وحشية ومتخلفة.
رغم كل هذه العروض المسرحية المفضوحة والمكررة، لكن الجمهور يعتقد كل مرة ببداية مختلفة، في لعبة جر الناس الى نفق مظلم والوعد الزائف بضوء آخر النفق لكن لا شيء غير سلسلة أنفاق.
تسمى العملية بـــــــــــــــ” التنظيف” أي التخلص من عملاء فشلوا أو أنجزوا المهمة وانتهت الصلاحية،
أو التخلص من وطنيين ” أصحاب رؤوس حارة” من مثقفين ونقابيين ويساريين وأساتذة رفضوا الاغراء والاندماج كما حدث في العراق في قتل علماء واساتذة قانون وضباط ومثقفين وأطباء وشخصيات وطنية وغيرهم في عملية لا يخجلون من تسميتها” الأعمال القذرة” وتُنسب لمنظمة ارهابية مخترقة أو مصنّعة.
وكما حدث في تونس والجزائر والمغرب قبل الاستقلال من اغتيالات لشخصيات وطنية.
في فيتنام عام 1963 خلال الحرب الأمريكية تم اغتيال الرئيس الفيتنامي دنا ديم مع شقيقه لفشله في ضبط الأوضاع وهو حليف استراتيجي للولايات المتحدة وعميل مأجور لكن مع فشله في السيطرة على الاوضاع امام جبهة التحرير الفتنامية الفيتكونغ كان يجب قطع رأسه.
في كوريا الجنوبية عام 1979 طلبت الولايات المتحدة من مدير المخابرات كيم جاي غيو قتل الرئيس الكوري الجنوبي بارك وهو خادم الولايات المتحدة علناً فقتله من أمام طاولة خلال مأدبة عشاء وصار رئيساً.
الرئيس الافغاني قرضاي السكير والحشاش وتاجر المخدرات الأفغاني.
لا تختار الولايات المتحدة زعماء وطنيين بل دمى للتحكم بها وتخلق لهم عبر هوليود شخصية جديدة ومنقحة ويختفي المشغل والمصنع في الظلام من اجل الهيبة امام شعبه وتظهر القرارات كإنها قراراته.
الجنرال سوهارتو الاندونيسي الذي نصبته الولايات المتحدة بعد انقلاب على الزعيم الشرعي سوكارنو واغتال في يوم واحد أكثر من خمسة الاف شيوعي بالتعاون مع المخابرات الامريكية التي سلمته عناوين قادة وانصار الحزب،
وبلغ عدد القتلى في عام الى أكثر من مليون بشهادة رجال السي آي أيه وصحف امريكية كواشنطن بوست التي كتبت عنها بعنوان: المذبحة المنسية عام 1965، اكبر مذابح القرن العشرين،
بلغت ثروة سوهارتو أكثر من 32 مليار دولار، وثروة عائلته 72 مليار،
مع حياة مرفهة مخزية اقرب الى حياة الخنازير. من عام 1967 الى عام 1998 وبعد أن فاحت رائحته وخشية من ثورة وطنية، أجبرته الولايات المتحدة على الاستقالة بعد أن نفذ المهمة وانتهت صلاحيته وصار يشكل خطرا على مصالحها التي أهم من هؤلاء الحثالات.
اغتيال الجنرال ضياء الحق الرئيس الباكستاني عام 1989 في حادث طائرة بعد أن اكتشف هويته الوطنية ومعه في الطائرة السفير الأمريكي لأن المصالح أهم من حياة الأشخاص.
غادرت طائرة الرئيس الحق مطار بهاولبور لمدة دقيقتين و30 ثانية، ارتفعت إلى سماء صافية. كان الإقلاع سلسًا ودون مشاكل. في الساعة 3:51 مساءً (بتوقيت المحيط الهادي) فقد برج المراقبة في بهاولبور الاتصال، وهبطت الطائرة من السماء واصطدمت بقوة أدت لتحطيمها إلى قطع وحطام منتشر على مساحة واسعة”. دفن في مقبرة مسجد الملك فيصل في العاصمة إسلام آباد ووقفت على قبره عام 1990.
الملك فيصل نفسه دبرت له المخابرات الأمريكية عملية إغتيال لوقفه النفط خلال حرب السادس من اكتوبر 1973 عن اوروبا: تمت فبركة قصة مجنون من العائلة اغتاله في مكتبه. في كل قصة اغتيال أمريكية هناك مجنون كما في اغتيال مغني فرقة البيتلز جون لينون من قبل معتوه قال في المحكمة انه لا يعرف لماذا قتله وكان جون قبل ساعة قد وقع له على البومه الجديد كذلك المغني الجامايكي بوب مارلي عام 1981 عن طريقة حذاء هدية من صحفي هو عميل سي اي ايه وفي الحذاء ابرة سامة. اعترف العميل على فراش الموت لكنه لم يعرب عن ندم لانه قام بــــــــــــــــ” واجب”.
” قبل وفاته بعامين، نجا بوب مارلي من محاولة اغتيال حقيقية في منزله بجامايكا عام 1976، على خلفية التوترات السياسية في البلاد”.
في سريلانكا تم اغتيال رئيس الوزراء باندارانايكا في عام 1959 وهو عميل ودمية ومأجور أمريكي في دير للعبادة وهو يصلي عندما تنكر رجال المخابرات الامريكية بزي رهبان بوذيين.
في تايلاند والفلبين والعالم العربي عن طريق انقلابات او تحريض شعبي، وفي دول أمريكا اللاتينية كاغتيال السي اي ايه جنرال الدومنيكان الحليف والذليل والخادم رافائيل تريخو لانه فشل في ضبط الاوضاع،
ورواية “حفلة التيس” للروائي ماريا فارغاس يوسا تتحدث بالتفصيل عن هذا الاغتيال وقد أشادت لجنة نوبل بالرواية” لأن يوسا أعاد صياغة السلطة”، أي تقديم سردية مختلفة،
بل الصحف الامريكية بعد رفع السرية عن الوثائق لمرور نصف قرن تذكر اسماء زمرة الاغتيال وكيف لجأوا للسفارة الأمريكية بعد العملية.
الرئيس الفلبيني رومان ماغسيسه وكيل محترف للسي آي أيه براتب،
قامت الوكالة بالتخلص منه لأنه صار عبأً في أوضاع متفاقمة عام 1957.
في سوريا تم تجميع كل هذا العدد الهائل من الارهابيين من دول عدة في ” مثلث موت فرمودا السوري”،
وقد تخلصت أوروبا من مشقة مطاردتهم وتتبع آثارهم وتم تجميعهم في مكان واحد في سوريا وعندما تنتهي صلاحية هؤلا المقررة سلفاًء ، هناك حفلة شواء معدة للتخلص منهم بطرق تدهش إبليس نفسه، بالمفرد والجملة.
لكن بعد انجاز المهمة على يد هؤلاء لكي يتحملوا مسؤولية وضع البلاد في الهاوية وتحويلها الى كانتونات عرقية وطائفية بقواعد عسكرية ثابتة تركية وامريكية واسرائيلية وخليجية.
من يتوقع من هؤلاء الارهابيين بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة، مثل من يتوقع من عشماوي ــــ منفذ إعدام مصري في مصلحة السجون ــــ قيادة فرقة أوركسترا موسيقية وعزف بحيرة البجع لجايكوفسكي.
كل وكلاء الولايات المتحدة في امريكا اللاتينية وفي فيتنام ايام الحرب وفي اندونيسيا وسريلانكا وتايلاند والعالم العربي وكوريا الجنوبية وغيرهم هم من سقط المتاع والقاع الأسفل ومن الحثالات وهو شرط للتحكم بهم كدمى. حثالات تؤدي أدواراً وتختفي.
على العكس من ذلك قامت بتصفيات واسعة في جميع أنحاء العالم لقادة وطنيين نجباء واغتالتهم أمثال: ماذا فعلوا مع فيديل كاسترو في حصار إجرامي على كوبا تجاوز النصف قرن حتى اليوم واكثر من الف محاولة اغتيال وشيطنة صورته؟
لماذا اغتالوا رؤساء دول وطنيين في كل القارات مباشرة
أو تدبير انقلابات كما حدث في الانقلاب في ايران على الدكتور مصدق عام 1953 المنتخب شرعياً لتأميمه النفط ثم القتل الطبي كتصفية حساب كما اعترفوا من بعد.
في العراق عام 1963 الانقلاب الدموي وفي تشيلي 1973 بقتل الرئيس المنتخب شرعيا سلفادور الليندي وتنصيب الجنرال السفاح بينوشيت مكانه.
لا تسمح الولايات المتحدة لزعيم نظيف ووطني أن يحكم دون انقلاب أو اغتيال:
إزاحت الدكتور مصدق 1953 لتاميمه النفط وهرب الشاه، فدبرت له وكالة المخابرات انتفاضة تسمى في التاريخ الايراني بثورة العاهرات بدفع مبالغ مالية لعاهرات طهران للخروج في مظاهرات ثم القيام بانقلاب وسجن مصدق،
وتكشف الوثائق السرية فيما بعد أن موته المرضي كان عملية” تصفية حساب طبية”.
أكثر من ألف محاولة اغتيال لكاسترو فاشلة. إغتيال رئيس الكونغو المناضل باتريس لوموبو. الانقلاب وقتل القائد الشجاع والنبيل عبد الكريم قاسم
بانقلاب مخابراتي مدبر كثأر لتأميم النفط والدول التي أسقطته وهي أمريكا وبريطانيا عادت لاحتلال العراق عام 2003 للأسباب نفسها بذريعة طاغية أرعن.
إغتيال كوامي نيكروما رئيس غانا من الشخصيات الافريقية النجيبة.
إغتيال أدواردو موندلين زعيم تحرير حركة موزمبيق. الانقلاب وقتل الرئيس الشيلي القائد سلفادور الليندي المنتخب.
إغتيال سامورا ميتشيل رئيس الموزمبيق.محاولات الانقلاب المتكررة لرئيس تنزانيا جوليوس نيريري.إعدام المناضل جيفارا.
إغتيال رئيس بنما عمر توريخوس بتفجير طائرته لوقوفه ضد الهيمنة الامريكية من قبل” أبناء آوى ـــ جاكليز”وهو تعبير أمريكي عن رجال الاغتيالات التابعين للـسي آي أيه.
جميع قادة منظمة التحرير الفلسطينية تم اغتيالهم بالتعاون بين الموساد ووكالة المخابرات الامريكية.
في العراق بعد الاحتلال تمت تصفية علماء وكبار الضباط وشخصيات وطنية ورجال قانون من قبل منظمات ارهابية مخترقة او مصنّعة من الوكالة.
كل هذه الاغتيالات موثقة في ملفات سرية مفرج عنها، وليس بعيداً شبهة إغتيال جمال عبد الناصر وعرفات والملك السعودي فيصل والجنرال الباكستاني ضياء الحق وانديرا غاندي بسبب صفقة سلاح.
هذه معايير الصداقة والعداوة الامريكية لم ولن تتغير لانها مؤسساتية وشركات كبرى ومصالح.
لا تختار الولايات المتحدة قادة الدول تحت هيمنتها على أساس النزاهة والوطنية والكفاءة، لا تختارهم من الدراويش والرهبان، بل تلتقطهم مبكراً من البارات والشوارع وتزرعهم لأمد بعيد، ثم يقوم إعلام واسع وحديث بصناعة زعيم منقذ وتأثيث هوية جديدة له كما لو انه خرج ثائراً من لحظة الولادة.
تحت ذرائع الحرية ونشر الديمقراطية وحقوق الانسان واسلحة الدمار الشامل تقوم” الامبريالية الجديدة” بالهيمنة الاقتصادية والمالية على الشعوب حسب المفكر ديفيد هارفي في كتابه” الامبريالية الجديدة” من خلال سياسات الحصار، العقاب، ويستمر النظام الرأسمالي بتجديد نفسه عبر انتزاع الموارد العامة، خصخصة الأراضي والخدمات، وتسليع ما كان خارج منطق السوق”.
ويوضح هارفي: ” إن الإمبريالية المعاصرة لا تقوم فقط على الغزو العسكري أو السيطرة السياسية، بل على آليات اقتصادية–مالية تُجبر الدول على الخضوع للنظام النيوليبرالي. يسمي هارفي ذلك بـ “التراكم عبر نزع الملكية” (Accumulation by Dispossession)، حيث يجري نقل الثروة والموارد من الأطراف إلى المراكز الرأسمالية تحت غطاء السوق الحرة، الخصخصة، وسياسات المؤسسات المالية العالمية”.
إنه النفاق للنهب الاقتصادي” يشمل ذلك الاستيلاء على النفط والموارد الطبيعية، وفرض سياسات الديون والخصخصة على دول الجنوب”.
نحن لسنا أمام نظام نهب قديم بل أمام وحش جديد ينطلق وامبريالية في طور التوحش وجدت الرئيس المناسب لها في منعطف خاص من التاريخ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock