د.حسن العاصي يكتب :غرينلاند بين أطماع واشنطن وسيادة كوبنهاغن: منطق البلطجة السياسية

في عالمٍ يتسم بتشابك المصالح وتداخل الجغرافيا بالسياسة، تظل تصريحات القوى الكبرى مرآةً تكشف عن طبيعة النظام الدولي وموازين القوة فيه. حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبة بلاده في “شراء” جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، لم يكن الأمر مجرد نزوة سياسية أو تصريح عابر، بل مثّل تجسيدًا صارخًا لسياسة الهيمنة التي تتعامل مع الأراضي والشعوب كما لو كانت سلعة معروضة في سوق المصالح الاستراتيجية. هذا الطرح الذي بُرِّر تحت ذريعة “الأمن القومي الأمريكي” يعكس عقلية إمبراطورية ترى في التوسع الجغرافي أداةً لتعزيز النفوذ العسكري والاقتصادي، متجاهلةً الاعتبارات السيادية والقانونية، بل وحتى البعد الأخلاقي للعلاقات الدولية.
لقد أثار هذا التصريح موجة واسعة من الانتقادات داخل أوروبا وخارجها، حيث اعتُبر مثالًا حيًا على ما يمكن وصفه بـ”السياسة البلطجية” التي لا تتورع عن تحويل الجغرافيا إلى ورقة مساومة، وتُعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية حين كانت القوى العظمى تتقاسم العالم وفق منطق القوة لا وفق مبادئ العدالة أو احترام الشعوب. إن محاولة تبرير الاستيلاء على غرينلاند بحجة الأمن القومي تكشف عن تناقض جوهري في الخطاب السياسي الأمريكي: فهي من جهة تدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية، ومن جهة أخرى تسعى إلى فرض إرادتها على أراضٍ لا تملكها، متجاهلةً إرادة سكانها الأصليين والدولة التي تتبع لها.
وفي تطور حديث يزيد المشهد تعقيدًا، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكد أمس على “أهمية” حصول الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، معتبرًا ذلك ضرورة استراتيجية للأمن القومي. هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، إذ ردّت رئيسة الوزراء الدنماركية بلهجة حازمة، مؤكدة أن أي خطوة عدائية أمريكية في الجزيرة ستعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي، وهو ما يعكس خطورة الموقف على تماسك التحالف الغربي برمته. ولم يكتف ترامب بهذا التصعيد، بل سخر من الحكومة الدنماركية حين قال إنهم عززوا أمن الجزيرة بإضافة “زلاجة تجرها الكلاب”، في تعبير ساخر يختزل التوتر بين واشنطن وكوبنهاغن ويكشف عن أسلوب استفزازي يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. هذه التصريحات المتبادلة تضع العلاقات الأمريكية-الأوروبية أمام اختبار غير مسبوق، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات الدولية في ظل عودة منطق القوة والتهكم إلى واجهة الخطاب السياسي.
بهذا المعنى، يصبح تصريح ترامب ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل نافذة لفهم طبيعة التوجهات الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، حيث يُعاد إنتاج منطق القوة في ثوب جديد، ويُطرح سؤال جوهري حول مستقبل العلاقات الدولية: هل نحن أمام عودة صريحة لسياسات الاستعمار المقنّع، أم أمام مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي تُدار تحت شعارات الأمن القومي؟
علاقة الدنمارك بملكية غرينلاند تاريخيًا
تتمتع جزيرة غرينلاند بتاريخ طويل ومعقد، ارتبط منذ قرون بمملكة الدنمارك. فقد كانت الجزيرة في البداية موطنًا للشعوب الإسكيمية الأصلية، قبل أن يصل إليها الفايكنغ النرويجيون في القرن العاشر الميلادي ويؤسسوا مستوطنات محدودة. ومع تفكك الاتحاد بين الدنمارك والنرويج عام 1814، أصبحت غرينلاند رسميًا مستعمرة دنماركية، وهو ما رسّخ النفوذ الدنماركي المباشر عليها. خلال القرن التاسع عشر، فرضت السلطات الدنماركية سياسة عزل على الجزيرة، وسيطرت شركات مملوكة للدولة على التجارة والموارد، مما جعل غرينلاند جزءًا لا يتجزأ من المجال الاقتصادي والسياسي الدنماركي.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تزايد الأهمية الاستراتيجية للجزيرة في ظل الحرب الباردة، أعادت الدنمارك تنظيم علاقتها بغرينلاند، حيث أُدرجت رسميًا ضمن المملكة عام 1953، لتصبح جزءًا من الدولة الدنماركية مع تمثيل سياسي في البرلمان. ومع ذلك، حصلت الجزيرة تدريجيًا على صلاحيات حكم ذاتي موسعة، بدءًا من عام 1979، وصولًا إلى قانون الحكم الذاتي لعام 2009 الذي منحها سلطات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، مع بقاء السيادة الخارجية والدفاع في يد كوبنهاغن.
هذا التاريخ الطويل من الارتباط السياسي والقانوني بين الدنمارك وغرينلاند يفسر الموقف الحازم للحكومة الدنماركية تجاه تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ ترى أن أي محاولة للتشكيك في ملكيتها للجزيرة أو تهديد سيادتها يُعد مساسًا مباشرًا بالهوية الوطنية الدنماركية وبالحقوق التاريخية التي ترسخت عبر قرون من السيطرة والإدارة.
البعد الاستراتيجي والجيوسياسي لجزيرة غرينلاند
تُعد جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، موقعًا بالغ الأهمية في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة، وركيزة أساسية في الحسابات الأمنية العالمية. ليس فقط بسبب مساحتها الشاسعة ومواردها الطبيعية، بل أيضًا لموقعها الاستراتيجي في قلب المحيط المتجمد الشمالي. هذا الموقع يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في التوازنات الدولية، خصوصًا في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في القطب الشمالي.
من الناحية العسكرية، تمثل غرينلاند خط دفاع متقدم للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، إذ تحتضن قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية التي تُعتبر من أهم مواقع الرصد المبكر للصواريخ العابرة للقارات، مما جعل الجزيرة جزءًا من شبكة الدفاع النووي العالمية. ومع تزايد الحديث عن سباق التسلح في الفضاء والقطب الشمالي، فإن السيطرة على هذه الجزيرة أو تعزيز النفوذ فيها يُعد ورقة استراتيجية بالغة الأهمية في مواجهة روسيا والصين، اللتين تسعيان بدورهما إلى توسيع حضورهما في المنطقة القطبية الغنية بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى المعادن النادرة التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ومع انتهاء الحرب الباردة، لم تفقد غرينلاند أهميتها، بل ازدادت قيمتها مع التغيرات المناخية التي أدت إلى ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة في القطب الشمالي.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن غرينلاند تُخفي في باطنها ثروات طبيعية هائلة، من بينها المعادن النادرة التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، إضافة إلى احتياطيات نفطية وغازية محتملة. ومع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، تتزايد فرص استغلال هذه الموارد، كما تُفتح ممرات بحرية جديدة تربط بين أوروبا وآسيا عبر القطب الشمالي، وهو ما يجعل الجزيرة محورًا للتجارة العالمية المستقبلية.
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول “الحاجة إلى الاستيلاء على غرينلاند” بحجة الأمن القومي، تكشف عن إدراك واشنطن لهذه الأهمية الاستراتيجية، لكنها في الوقت ذاته تُظهر نزعة هيمنية تتعامل مع الجزيرة وكأنها مجرد سلعة قابلة للبيع والشراء. هذا الطرح يعكس عقلية توسعية ترى في السيطرة على الجغرافيا ضمانًا للأمن القومي، متجاهلةً أن الجزيرة ليست أرضًا بلا سيادة، بل جزء من مملكة الدنمارك وموطنًا لشعب له هويته وحقوقه.
إن البعد الاستراتيجي لغرينلاند يفسر حدة ردود الفعل الأوروبية، خصوصًا تصريح رئيسة الوزراء الدنماركية بأن أي عمل عدائي أمريكي في الجزيرة سيعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي. هذا الموقف يعكس إدراك أوروبا أن المسألة لا تتعلق بمجرد نزاع ثنائي بين واشنطن وكوبنهاغن، بل بتهديد مباشر لتماسك التحالف الغربي، إذ إن تحويل الجزيرة إلى موضوع صراع مفتوح قد يزعزع الثقة بين الحلفاء ويعيد رسم خرائط النفوذ في القطب الشمالي.
انعكاسات التصريحات على حلف شمال الأطلسي والعلاقات الأمريكية–الأوروبية
إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة حصول الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وما تبعها من ردود قوية من الجانب الدنماركي، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن البنية الأوسع للتحالف الغربي المتمثل في حلف شمال الأطلسي (الناتو). فالناتو، الذي تأسس على مبدأ التضامن الجماعي والدفاع المشترك، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي يهدد تماسكه الداخلي ويضع مصداقيته على المحك.
منذ نهاية الحرب الباردة، ظل الناتو أداة رئيسية لإدارة التوازنات الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث وفرت واشنطن المظلة العسكرية بينما اعتمد الأوروبيون على هذا التحالف لضمان أمنهم الجماعي. غير أن تصريح رئيسة الوزراء الدنماركية بأن أي عمل عدائي أمريكي في غرينلاند سيعني عمليًا نهاية الناتو، يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن التحالف قد يفقد جوهره إذا تحولت الولايات المتحدة من شريك استراتيجي إلى قوة ضاغطة تهدد سيادة الدول الأعضاء.
هذا الموقف يفتح الباب أمام عدة انعكاسات خطيرة:
ـ أزمة ثقة داخلية: إذ يُظهر أن بعض الدول الأوروبية لم تعد ترى في الولايات المتحدة الضامن المطلق للأمن، بل قد تعتبرها مصدر تهديد محتمل إذا استمرت في سياسات الهيمنة.
ـ إعادة التفكير في التحالفات: قد يدفع هذا التوتر أوروبا إلى تعزيز استقلالها الدفاعي عبر الاتحاد الأوروبي، أو البحث عن صيغ جديدة للتعاون الأمني بعيدًا عن الاعتماد الكلي على واشنطن.
ـ تصدع في الخطاب الغربي: فبينما ترفع الولايات المتحدة شعار الدفاع عن الديمقراطية والحرية، فإن محاولتها الاستيلاء على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الناتو يقوض هذا الخطاب ويكشف تناقضاته.
إلى جانب ذلك، فإن سخرية ترامب من الحكومة الدنماركية حين قال إنهم عززوا أمن الجزيرة بـ”زلاجة تجرها الكلاب”، لم تكن مجرد نكتة سياسية، بل رسالة استهزاء تُضعف مناخ الثقة بين الحلفاء. فالاستخفاف بالقدرات الدفاعية لدولة عضو في الناتو يبعث بإشارات سلبية إلى بقية الدول الأوروبية، ويثير تساؤلات حول مدى جدية الولايات المتحدة في احترام شركائها.
إن هذه التطورات تُظهر أن الناتو لم يعد يواجه فقط تحديات خارجية من روسيا أو الصين، بل يواجه أيضًا تحديًا داخليًا يتمثل في طبيعة العلاقة بين أعضائه، خاصة بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وإذا لم تُعالج هذه الأزمة بحكمة، فقد نشهد تحولًا جذريًا في بنية التحالف الغربي، وربما بداية مرحلة جديدة من التعددية القطبية حيث تبحث أوروبا عن بدائل استراتيجية تضمن لها استقلالية القرار الأمني بعيدًا عن ضغوط البيت الأبيض.
البعد القانوني والسيادي لقضية غرينلاند
من منظور القانون الدولي، تُعد قضية تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند اختبارًا صارخًا لمبدأ السيادة الوطنية الذي يُعتبر حجر الأساس في النظام العالمي الحديث. فغرينلاند ليست أرضًا بلا مالك، بل هي جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك، وتتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق ضمن إطار السيادة الدنماركية. وبالتالي، فإن أي محاولة أمريكية للاستحواذ عليها، سواء عبر الضغط السياسي أو التهديد العسكري، تُعد انتهاكًا مباشرًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على احترام وحدة أراضي الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
القانون الدولي يرفض بشكل قاطع فكرة “شراء الأراضي السيادية” إلا إذا تم ذلك برضا الدولة المالكة وبموافقة شعوبها، وهو أمر غير متحقق في حالة غرينلاند. بل إن تصريحات ترامب أعادت إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية حين كانت القوى الكبرى تتعامل مع الأراضي والشعوب كسلع قابلة للتبادل، وهو ما يتعارض مع المبادئ الحديثة التي تضع حقوق الشعوب في تقرير مصيرها فوق أي اعتبارات اقتصادية أو أمنية.
إضافة إلى ذلك، فإن سكان غرينلاند أنفسهم يتمتعون بحق تقرير المصير وفقًا للمواثيق الدولية، وأي محاولة لتغيير وضع الجزيرة دون استشارتهم تُعتبر خرقًا لحقوق الإنسان الجماعية. هذا البعد القانوني يفسر حدة رد فعل رئيسة الوزراء الدنماركية، التي ربطت بين أي عمل عدائي أمريكي في الجزيرة وبين انهيار حلف شمال الأطلسي، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بالسيادة الدنماركية، بل بمصداقية النظام الدولي بأسره.
إن تصريحات ترامب، حين تُبرر تحت ذريعة “الأمن القومي”، تطرح إشكالية قانونية خطيرة: هل يمكن لدولة أن تتذرع بأمنها الداخلي لتبرير انتهاك سيادة دولة أخرى؟ الإجابة وفق القانون الدولي واضحة: لا. فالأمن القومي لا يُمكن أن يكون مبررًا لخرق القانون الدولي، وإلا تحول النظام العالمي إلى ساحة مفتوحة للهيمنة والإكراه.
الدلالات السياسية والأبعاد المستقبلية للأزمة
إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جزيرة غرينلاند، وما تبعها من ردود أوروبية حادة، ليست مجرد سجال سياسي عابر، بل تحمل دلالات عميقة على صورة الولايات المتحدة في النظام الدولي وعلى مستقبل العلاقات عبر الأطلسي. فالمسألة تكشف عن تحولات في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث يُعاد إنتاج منطق القوة والهيمنة في ثوب جديد، قائم على تبريرات الأمن القومي، لكنه في جوهره يعكس نزعة توسعية تتجاهل قواعد القانون الدولي ومبادئ الشراكة المتوازنة.
من الناحية السياسية، فإن هذه الأزمة تُظهر أن الولايات المتحدة لم تعد تُنظر إليها فقط كقوة ضامنة للأمن العالمي، بل أيضًا كقوة قد تُهدد استقرار التحالفات إذا ما استمرت في سياسات أحادية الجانب. سخرية ترامب من الحكومة الدنماركية، وتصعيده في الحديث عن أهمية الاستيلاء على غرينلاند، يضعان واشنطن في موقع الدولة التي لا تتورع عن استفزاز حلفائها، وهو ما يُضعف الثقة المتبادلة ويُعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع شركائها الأوروبيين بمنطق الاستعلاء لا بمنطق التعاون.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فإن الأزمة تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات مستقبلية:
ـ تراجع مكانة الولايات المتحدة كقائد للتحالف الغربي: إذا استمرت في سياسات تُهدد سيادة الدول الأعضاء، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل استراتيجية، سواء عبر تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية أو عبر بناء شراكات جديدة مع قوى أخرى.
ـ إعادة إحياء خطاب الاستعمار المقنّع: إذ إن فكرة الاستيلاء على أراضٍ بحجة الأمن القومي تُعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية، وهو ما قد يُضعف صورة الولايات المتحدة كمدافع عن الديمقراطية ويُعزز خطاب خصومها الذين يتهمونها بازدواجية المعايير.
ـ تأثير مباشر على الناتو: إذا تحولت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، فقد يُفضي ذلك إلى تصدع داخلي في الحلف، وربما إلى إعادة صياغة دوره ووظائفه في ظل فقدان الثقة بين أعضائه.
ـ انعكاسات على التوازنات القطبية: في ظل التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في القطب الشمالي، فإن أي خطوة أمريكية غير محسوبة في غرينلاند قد تُعطي خصومها فرصة لتعزيز حضورهم السياسي والاقتصادي في المنطقة.
في المحصلة، فإن أزمة غرينلاند ليست مجرد خلاف دبلوماسي بين واشنطن وكوبنهاغن، بل هي مؤشر على تحولات أعمق في السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى التحديات التي تواجه النظام الدولي في عصر تتزايد فيه النزعات القومية والتنافس على الموارد الاستراتيجية. إنها أزمة تُجبر العالم على إعادة التفكير في طبيعة التحالفات، وفي مدى قدرة المؤسسات الدولية على ضبط سلوك القوى الكبرى، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من التعددية القطبية، حيث لم يعد للولايات المتحدة القدرة على فرض إرادتها دون مقاومة؟
الموقف الشعبي والسياسي داخل غرينلاند
لم يكن سكان غرينلاند، الذين يشكلون مجتمعًا متمايزًا بثقافته الإسكيمية الأصلية وهويته الخاصة، بمنأى عن الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالجزيرة تتمتع منذ عقود بحكم ذاتي واسع، ولها برلمانها المحلي وحكومتها الخاصة التي تدير شؤونها الداخلية، وهو ما جعلها أكثر حساسية تجاه أي محاولة خارجية للتشكيك في استقلالية قرارها السياسي. وقد عبّرت الحكومة المحلية في غرينلاند بوضوح عن رفضها لفكرة “بيع” الجزيرة أو التعامل معها كسلعة، مؤكدة أن مستقبلها يقرره شعبها لا القوى الكبرى.
على المستوى الشعبي، أثارت تصريحات ترامب موجة من الاستياء، إذ رأى كثير من الغرينلانديين أن الحديث عن الاستيلاء على الجزيرة يُعيد إلى الأذهان ماضي الاستعمار ويُقلل من قيمة هويتهم الوطنية. هذا الموقف الشعبي يتقاطع مع الموقف الرسمي الدنماركي، لكنه يحمل أيضًا خصوصية محلية، حيث يسعى سكان غرينلاند إلى تعزيز استقلالهم التدريجي عن كوبنهاغن، مع الحفاظ على روابطهم التاريخية والسياسية ضمن المملكة الدنماركية.
إن رفض سكان الجزيرة لفكرة الاستحواذ الأمريكي يعكس إدراكهم العميق لأهمية موقعهم الاستراتيجي وثرواتهم الطبيعية، ويؤكد أنهم لا يرغبون في أن يكونوا مجرد ورقة مساومة في لعبة القوى الكبرى. بل إن هذه الأزمة عززت شعورهم بضرورة حماية هويتهم وحقوقهم، سواء في مواجهة الضغوط الخارجية أو في إطار العلاقة مع الدنمارك نفسها.
أزمة غرينلاند: جرس إنذار لمستقبل التحالفات العالمية
إن أزمة جزيرة غرينلاند، كما فجّرها تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليست مجرد جدل سياسي عابر بين واشنطن وكوبنهاغن، بل هي مرآة تعكس طبيعة التحولات العميقة في النظام الدولي. فحين تُطرح فكرة الاستيلاء على أرضٍ تابعة لدولة ذات سيادة تحت ذريعة “الأمن القومي”، فإننا أمام مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية، ويكشف عن نزعة إمبراطورية جديدة تتعامل مع الجغرافيا والشعوب بمنطق السوق لا بمنطق القانون. هذا السلوك لا يهدد فقط سيادة الدنمارك وسكان غرينلاند، بل يضع مستقبل التحالف الغربي برمته على المحك، كما عبّرت رئيسة الوزراء الدنماركية حين حذرت من أن أي عمل عدائي أمريكي سيعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي.
إن خطورة هذه الأزمة تكمن في أنها تضع العالم أمام سؤال جوهري: هل ما زال النظام الدولي قائمًا على مبادئ القانون والاحترام المتبادل، أم أننا بصدد عودة صريحة إلى منطق القوة حيث تُفرض الإرادات بالقوة العسكرية والاقتصادية؟ تصريحات ترامب الأخيرة، بما فيها سخريته من تعزيز أمن الجزيرة بـ”زلاجة تجرها الكلاب”، ليست مجرد كلمات، بل هي مؤشر على أسلوب سياسي يقوم على الاستفزاز والاستخفاف، وهو ما يُضعف الثقة بين الحلفاء ويُعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة لم تعد تُعامل شركاءها بندّية، بل بمنطق الهيمنة والاستهزاء.
في هذا السياق، تصبح أزمة غرينلاند نموذجًا حيًا لفهم التحديات التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين: صراع على الموارد الاستراتيجية في القطب الشمالي، تنافس بين القوى الكبرى على النفوذ، وتصدع في التحالفات التقليدية التي شكّلت العمود الفقري للأمن العالمي لعقود. وإذا لم تُعالج هذه الأزمة بحكمة، فقد نشهد بداية مرحلة جديدة من التعددية القطبية، حيث تبحث أوروبا عن استقلالية أكبر في قرارها الأمني، وتستغل روسيا والصين الفرصة لتعزيز حضورهما في مناطق النفوذ الجديدة.
إن الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن تصريحات ترامب حول غرينلاند ليست مجرد نزوة سياسية، بل هي جرس إنذار يذكّر العالم بأن النظام الدولي يواجه خطر الانزلاق نحو فوضى جديدة، حيث تُستباح السيادة تحت شعارات الأمن القومي، وحيث تُختبر التحالفات في أصعب الظروف. ومن هنا، فإن هذه الأزمة لا تخص الدنمارك وحدها، بل تخص مستقبل العلاقات الدولية بأسره، وتضع البشرية أمام خيار مصيري: إما العودة إلى منطق القوة والبلطجة، أو التمسك بمبادئ القانون الدولي والاحترام المتبادل كركائز لا غنى عنها لاستقرار العالم.









