د.محمد مهدي شريعتمدار يكتب: عن الأمل والنهج الأسدي

… في ذِكرى المولدِ والمشهدِ، مولدِ وليدِ الكعبةِ، وفارسِ خيبرَ، وأميرِ الكلامِ والسياسةِ والحُكمِ والميدانِ.
ومشهدِ مالكِ الأشترِ في زمانِ عليِّ العصرِ
ونائبِ الحُجّةِ المنتظرِ (عج): القـــاسمِ الســلـــ.ــيمانيّ؛ يُخاطبني عقلي وعاطفتي معاً أن أكتبَ عن بطلةٍ حملت رسالةَ قادةِ النصرِ وكربلائيّي العصرِ إلى الأجيالِ، لتكونَ الأملَ، وتمثّلَ الأسدَ الشجاعَ، وتحلَّ محلَّ الرجلِ المغوارِ في زمانِ أشباهِ الرجالِ ولا رجالَ، وفي عالمِ الأقلامِ المأجورةِ والقنواتِ المسعورةِ، وتصمدَ لتجاهدَ وتُبيّنَ وتكتبَ وتزأرَ، وتُظلَمَ لكنها تبقى تصدحُ بالحقِّ، حتى لا يعودَ عليٌّ ثانيةً مخاطباً خصومَه ومتخاذلي أصحابِه قائلا:
“لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ، مَعْرِفَةً وَاللَّهِ جَرَّتْ نَدَمًا وَأَعْقَبَتْ سَدَمًا”،
وحتى لا يُملأَ قلبُه قَيْحاً ويُشحَنَ صدرُه غيظاً، ولا يُقالَ للقاسمِ وللمهندسِ ولسيدي النصرِ الهاشميِّ، ولهنيّةَ والسنوارِ: رجالٌ شجعانٌ ولكن لا علمَ لهم بالحربِ أو السياسةِ، أو لا درايةَ لهم بمصلحةِ الشعوبِ ومقتضى العيشِ والحياةِ.
أكتبُ عن بطلةِ جهادِ التبيينِ، وهي التي قال أحدُ إخوتنا عنها: عندما يتحدّثُ الأديبُ عن شؤونِ الساعةِ وأحداثِها، يكونُ للساعةِ حضورٌ أكثرُ تميّزا، وعندما يكتبُ الأديبُ عن السياسةِ يكونُ للسياسةِ مدىً أوسعَ. فهي لم تكتبْ عن السياسةِ وشؤونِ الساعةِ فحسبُ، وإنما عن مصالحِ الأمةِ ومقاومتِها بوجهِ الأعداءِ، ومستقبلِ حضارتِها ومجدِها وعزّتِها.
نعم، تعوّدنا أن نقرأَ ونسمعَ لهذه الأديبةِ الشاعرةِ الناقدةِ والكاتبةِ الناشطةِ في الشؤونِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ والحضاريةِ، والمفكّرةِ المقــ.ـاومةِ الحاضرةِ في كلِّ ساحٍ؛ تعوّدنا، من خلالِ شهقاتِ قلمِها ومرافئِ حروفِها وحكايا برهانِها، ومن خلالِ أبحاثِها ومؤلفاتِها ومجموعاتِها القصصيةِ ومقالاتِها وحلقاتِها في الإعلامِ المرئيِّ والمسموعِ والمقروءِ والإلكترونيِّ، أن نصغيَ لقولِ الحقِّ بلغةِ الأدبِ الملتزمِ المقاومِ، وأن ننهلَ من ثقافتِها الإسلاميةِ الحسينيةِ حين تكتبُ عن آياتِ القيمِ الأخلاقيةِ، وتقدّمُ المرأةَ المسلمةَ كيانا وتمكينا، وتتحدّثُ عن الشاهدِ القرآنيِّ في خطابِ الحسينِ (عليه السلام)، وعن الأربعينِ وذكرى التحريرِ والنصرِ، وعن الزهراءِ (سلامُ اللهِ عليها) وملكوتيتِها، واكتمالِ عددِ أصحابِ الكساءِ، وتقريرِ مصيرِ الأمةِ والبشريةِ بها، كما حين تُنبتُ الحشدَ نباتا ليكونَ صدى الملكوتِ، وهي من نوادرِ النخبِ التي حشدت طاقاتها في الدفاعِ عن الحقِّ والحشدِ والمقاومةِ وجمهوريةِ الإسلامِ.
أمل الأسدي صدحت بالقهرِ الاجتماعيِّ لنظامِ البطشِ والبأسِ، لكنها حوّلت الحضنَ الضالَّ إلى تقصّي الطيفِ والتطلّعِ إلى ذلك الأخضرِ القادمِ، وبقي صمتُها زعفرانا وسيرتُها ياقوتا، كما كتبت هي عن ثنائيةِ الشاعرِ البيوميِّ.
وهي التي حين قال عنها الشاعر المصري أحمد غراب: إن لغتها مموسقةٌ ومفعمةٌ بالشاعريةِ إلى حدِّ الذهولِ، أضفتُ قائلًا: إنها، إلى جانبِ شاعريتِها وموسيقائيةِ كلامِها ودراميةِ قصصِها وتصويرِها الفنيِّ ووثاقةِ أبحاثِها ورساليةِ طروحاتِها وكتاباتِها؛ تظلُّ وحيدةَ أساتذةِ زمانِها ومكانِها ممن وقفوا إلى جانبِ الحقِّ والعدلِ والاستقلالِ ومقاومةِ الاحتلالِ، كما الانبطاحِ المتخاذلِ والاستكبارِ المتآمرِ.
نعم، واكبتْ الدكتورة أمل الأسدي عالمَ السياسةِ، ولكن دونَ تزلّفٍ للسياسيينَ، أو تبريرِ زلاتِهم وهفواتِهم أو أخطائِهم ومثالبِهم، لكنها في الوقتِ نفسِه لم تنسَ هويتَها الدينيةَ وطبيعتَها الإنسانيةَ وأنوثتَها المفعمةَ بالعاطفةِ والحيويةِ والمسؤوليةِ. وهي تحملُ آهاتِ القهرِ والحبِّ والانتظارِ والصبرِ والأملِ، والتطلّعَ إلى مستقبلٍ حضاريٍّ أفضلَ للأمةِ وللمقاومينَ الشرفاءِ، آهاتٍ صادرةً عن إيمانِها بحتميةِ النصرِ الإلهيِّ، وعن دورِها الرساليِّ، ومحاكاتِها الدائمةِ أئمتَها المعصومينَ والقادةَ السائرينَ على نهجِهم، قائلةً: «إني حربٌ لمن حاربكم، وسلمٌ لمن سالمكم إلى يومِ القيامةِ».
كلُّ التحايا لأمل الأسدي، وللأخ الدكتور الدكتور حسين المجاب ودوره الرائد في الدعوة إلی المحبة والتآخي.









