كتاب وشعراء

علم النفس الأسود: بين الظل النفسي والسيطرة على الآخر:…. بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

في أعماق النفس الإنسانية تتربص دوافع مظلمة، أحيانًا تكون خفية، وأحيانًا متجذرة في طبائع الإنسان نفسه. علم النفس الأسود (Dark Psychology) ينهل من هذه الظلال، ليكشف عن الطرق التي يمكن للفرد أن يستخدم بها وعيه أو غير وعيه للسيطرة على الآخرين واستغلالهم. إن دراسة هذه الظواهر ليست مجرد فضول معرفي، بل ضرورة فلسفية واجتماعية لفهم حدود الحرية، الأخلاق، والسيطرة في المجتمع.
يشرح علماء النفس مثل روبرت بلاكي ونيل ر. سميث أن الثلاثية المظلمة (The Dark Triad) – النرجسية، السيكوباتية، الميكافيلية – تمثل نماذج متكررة لسلوكيات استغلالية في الحياة اليومية. النرجسية ترفع من إحساس الذات إلى مستوى يتجاهل حقوق الآخرين، والسيكوباتية تحرر الفرد من أي ضمير أخلاقي، بينما الميكافيلية تعزز قدرة الفرد على المناورة والتلاعب لتحقيق مصالحه. كل منها يشكل جزءاً من ما يمكن أن نسميه “ظل الإنسان”، وهو الظل الذي طالما تحدث عنه كارل يونغ في تحليله النفسي، حين اعتبر أن مواجهة الظل لا تقل أهمية عن الوعي بالذات، لأنها تمثل مفتاح النمو النفسي والتحرر الداخلي.
من منظور اجتماعي، يوضح إميل دوركايم أن الظواهر المظلمة في السلوك الفردي تتعزز حين تضعف القيم المجتمعية وتغيب الضوابط الأخلاقية. فالانحراف النفسي يصبح أكثر وضوحًا في البيئات التي تتغذى على المنافسة غير الصحية، الحسد، أو الفساد المؤسسي، وهي بيئات يختفي فيها ما يمكن أن نسميه “وعي المجتمع التكويني”، أي القدرة على توجيه النفس نحو الخير والبناء الحضاري.
أما من منظور فلسفي، فقد ناقش ميشيل فوكو فكرة السلطة والمعرفة، مؤكدًا أن السيطرة ليست مجرد قوة مادية، بل هي أيضاً نفوذ على وعينا وتصرفاتنا، وقد تكون الثقافة نفسها أداة ضبط مستترة. وهنا يلتقي علم النفس الأسود بالفلسفة، إذ يكشف أن الإنسان لا يُسيطر عليه فقط بالقوة الظاهرة، بل من خلال استغلال أعمق دوافعه النفسية، وأحيانًا أضعف نقاطه العاطفية والمعرفية.
المفكر العربي محمد عابد الجابري يشير إلى أن الإنسان العربي الحديث يعيش صراعًا بين الفردية والوعي النقدي من جهة، وبين الانتماءات الضيقة والشلليات التي تعطل البناء الحر للوعي من جهة أخرى. وهكذا، يصبح المثقف بين اختيارين: إما أن يكون أداة للسلطة، أو أسيرًا لشبكات ضيقة تغذي الحسد والتنافس المريضة، في ضياع للوعي التكويني الذي يضمن تكوين الذات الحرة.
في هذا الإطار، يصبح علم النفس الأسود أكثر من مجرد دراسة للسلوك العدواني أو الاستغلالي؛ إنه دعوة فلسفية لفهم الظل النفسي في الإنسان، والوعي الاجتماعي الذي يمكن أن يحدّ من تأثيره. فمعرفة آليات التلاعب النفسي، وفهم دوافعه، لا تعني الاستسلام للشر، بل تمكن الفرد والمجتمع من بناء حصانة أخلاقية وفكرية، تتيح مواجهة هذه الظلال، وتحويل الطاقة المظلمة إلى وعي بنّاء، وإدراك أن الحرية الحقيقية تبدأ حين نفهم دوافع أنفسنا قبل أن نحاول فهم الآخرين.
_ خلاصة:
علم النفس الأسود ليس مجرد بحث عن الشر، بل هو استكشاف فلسفي واجتماعي للنوايا المظلمة في الإنسان، وطريقة مواجهة القوى النفسية والاجتماعية التي تقيد وعيه. فهم الظل النفسي يفتح الطريق نحو تكوين الذات الحرة، ومجتمع أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على تحويل الطاقة البشرية إلى بناء حضاري، بدلاً من أن تتحول إلى أدوات استغلال وسيطرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock