فوضى القصيدة الأخيرة … هيثم الأمين / تونس

“مات الشّاعرُ”
لم يذكروا اسمه في نشرات الأخبار،
لم تنعه صفحات الفايسبوك
ولم تؤبّنه العصافير في أغاني الصّباح!
“مات الشّاعرُ”
ليس في حادث سيرْ،
ليس بسكتة قلبيّة
وليس بقصيدة كان صراخها أكبر من حنجرتهِ!
“مات الشّاعرُ”
كما يموت متشرّدٌ – في مدينة باردة – تحت الثّلجْ،
كما تموت زهرة قرنفل منسيّة في أصْ
وكما تموت كلمات مكتوبة بحبر رديء في كتاب قديم جدّا.
“مات الشّاعرُ”
كانت الكلاب الضّالّة هاربة من ظلالها.. وتنبحْ
حين اكتشفَتْ نصف وجهه يبكي بين دفّتَيْ دفتر ممزّقْ!
كانت الكلاب الضّالّة حائعةً.. وتعوي
حين اكتشفَتْ نصف وجهه الآخر يقهقه في حاوية قمامةٍ لدار نشرْ!
وكانت الكلاب الضّالّةُ نائمةً
حين رأت، في أحلامها، أصابعهُ يلوكها حزن عجوز…
“مات الشّاعرُ”
طهّرهُ الصّمتُ بما تبقّى من طفولتهِ،
كفّنه ضجيج خفيف بآخر أحلامهِ؛
كانت أحلامه صغيرة
فكان كفنه ضيّقا وكان، فيه، شبه مكشوف
ثمّ
سار الشّاعر
وحيدا،
وحدهُ
ولا أحدَ معهُ
في موكبِ جنازتهِ!
ووحيدا، وحدهُ ولا أحدَ معهُ
كان الشّاعر يبكي فقيدَهُ!
“مات الشّاعرُ”
وبينما كان مستلقيا في قبرهِ
كان يقفُ،
على حافّة قبرهِ،
ويحدّقُ في جثمانهِ!
ولأنّه كان وحدهُ/ وحيدا/ لا أحد معهُ
تمتم الشّاعر:
“ارقد أيّها الشّاعر بسلامْ
فصمتُكَ ليس بحاجة لجمهور يصفّق لهُ
ولا حاجةَ لضجيجك المكتوم لدور نشرْ…
ارقد يا صديقي.. بسلامْ
فأنت، الآن، خارج المعنى
ووحدَكَ معناكْ
وأنتَ كلِمَتُكَ الأخيرة؛
كلمتُكَ التي لا تشبهُ الكلماتْ…
ارقدْ بسلامْ
فأنتَ الآنَ سلامُكَ
وسلامُكَ أنتَ
وعليكَ السّلامْ”.
يُلقي الشّاعرُ، على جثمانه، ما عرفهُ من أسماء نسائه الورديّاتْ
وقبلة أمّه التي لم تحضر جنازتهُ
وكلّ ما كتبه من قصائدَ
ثمّ مضى
كأنّه حُرْ.









