رؤي ومقالات

فراج إسماعيل يكتب :شتاء الشرق الأوسط الحار

شتاء آخر حار مشتعل بتهديدات الحروب وتفكيك الشرق الأوسط وضرب إيران المحتمل وإخافة روسيا والصين برسالة واضحة أن ترامب لا يمزح.
فيما يلي ما كتبه الكاتب الإسرائيلي ديفيد بن باسات في صحيفة جيروزاليم بوست اليوم (السبت).. عن هذا الشتاء الذي انكشفت غيومه عن ما تخفيه بعد زيارة نتنياهو الأخيرة لمنتجع مارالاجو ولقائه بالرئيس الأمريكي ترامب.
للتعريف: ديفيد بن باسات هو قنصل فخري ونائب عميد السلك القنصلي الدبلوماسي، ورئيس اتحاد الإذاعات الإسرائيلية. عمل سابقًا مراقبًا في إذاعة الجيش ومراسلًا لشبكة «NBC» التلفزيونية.
أعاد ترامب خلط الأوراق. الرسالة المركزية التي خرجت من المحادثات كانت حادة ولا تقبل اللبس: إسرائيل لن تسمح لإيران بإعادة التسلّح، وأي محاولة من هذا النوع ستُواجَه بالقوة العسكرية، مع دعم أميركي كامل. لا تلميحات، ولا لغة مخففة، ولا غموض دبلوماسي. لقد رسم ترامب خطاً أحمر بعبارات لا تترك مجالاً للشك.
ولإدراك عمق هذه الإشارة، لا بد من فهم رؤية ترامب للعالم. فبالنسبة له، السياسة الخارجية ليست ساحة أيديولوجية، بل مجال أعمال بارد وحسابي. الدول والأنظمة والتنظيمات تُقيَّم وفق سؤال واحد: هل تخدم المصالح الأميركية أم تضرّ بها؟
وبهذا المنظور يجب قراءة عملية فنزويلا، ونهج ترامب تجاه زعيمها الفعلي نيكولاس مادورو: معارضة لنظام ديكتاتوري، ومواجهة لعصابات المخدرات، ورسالة إلى العالم. من يقبل بعقد صفقة واضحة وفق القواعد الأميركية ينال الشرعية؛ أما من يرفض، فيدفع ثمناً اقتصادياً ودبلوماسياً، وأحياناً عسكرياً.
هذه رسالة مباشرة إلى إيران وروسيا والصين. ليست خطابًا أخلاقيًا، ولا رؤية طوباوية — بل منطق أعمال. على إيران أن تختار بين تفكيك آليات التهديد التي تمتلكها أو مواجهة العزلة. أما روسيا، فقد باتت تدرك أن المنطقة الرمادية والغموض انتهيا. فيما تفهم الصين أن اللعبة الاقتصادية لم تعد أحادية الاتجاه.
الجميع تلقّى الرسالة ذاتها: الباب مفتوح أمام صفقة، لكن من يتحدى النظام الأميركي سيُواجَه بالقوة.
كما اتضح المسار المتعلق بغزة. فقد أكد ترامب أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأميركية لن يكون ممكنًا إلا بعد نزع سلاح حماس. لا عملية تدريجية، ولا تنازلات أمنية، ولا طرق مختصرة. كان واضحًا أن حماس لا يمكن أن تستمر كقوة عسكرية.
وإذا لم تُبعد المنظمة سلاحها، فستواصل إسرائيل القتال — هذه المرة بدعم أميركي كامل ومن دون تحفظات. الرسالة إلى غزة هي نفسها الرسالة إلى طهران: نزع السلاح، أو دفع ثمن باهظ.
وفي الوقت نفسه، لمح ترامب إلى هدفه الاستراتيجي التالي: الانتقال من القتال إلى إعادة إعمار غزة. غير أنه اختار تجاوز قضية شديدة الحساسية بلباقة — وهي قضية عدم العثور على مكان دفن الأسير ران غفيلي الذي تطالب إسرائيل بإعادة بقايا جثته لتغلق ملف الرهائن. لم يكن هناك نفي ولا التزام، بل وعد متردد، ما يوحي بتفضيل أميركي لدفع الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى حتى وإن كان ذلك على حساب تأجيل ملفات مؤلمة.
بالنسبة لإسرائيل، أسفرت الزيارة عن مكاسب كبيرة. فالالتزام الأميركي بنزع سلاح حماس ليس مجرد تصريح سياسي، بل دعم عملي للموقف الذي تبنته إسرائيل منذ السابع من أكتوبر: لا إعادة إعمار من دون نزع السلاح، ولا مستقبل لغزة في ظل حكم منظمة حماس المسلحة.
كما طُرحت المسألة التركية، وإن بشكل عابر. فعند سؤاله عن طائرات “إف-35”، أجاب ترامب بجملة قصيرة لكنها محمّلة بالدلالات: لن تُستخدم ضد إسرائيل. لم يكن خطابًا، ولا تحذيرًا علنيًا — بل تصريحًا واضحًا جدًا.
عُقدت ستة لقاءات بين نتنياهو وترامب، وهو عدد استثنائي وفق أي معيار دبلوماسي. وكان اللقاء الأخير الأدفأ والأكثر إشادة. لم يُخفِ ترامب تقديره له، بل أغدق عليه مديحًا تجاوز بكثير مجاملات البروتوكول المعتادة.
وهنا يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي على الخط. من دون أن يقول ذلك صراحة، فتح ترامب عمليًا باب الحملة الانتخابية الإسرائيلية المقبلة. الرسالة كانت واضحة: هذا هو المسؤول الإسرائيلي الذي يعرف كيف “يعقد الصفقات” معه.
في المحصلة، لم تكن زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة مجرد حدث دبلوماسي، بل إشارة استراتيجية عالمية. من بحث عن الغموض خاب أمله، ومن أراد خطًا واضحًا ناله.
وفي شرق أوسط مثقل بالتهديدات، قد تكون الوضوح بحد ذاته قوة.
يبدو أن سلوك الرئيس الأميركي ليس حلقة عابرة، بل إعلانًا صريحًا عن عودة الولايات المتحدة إلى لغة الردع. ترامب يبعث برسالة مفادها أن زمن الغموض قد انتهى: من يهدد سيدفع الثمن، ومن يستعد لتفكيك التهديدات واحترام القواعد سيحصل على فرصة.
الرسالة موجّهة إلى أعداء أميركا — لكنها موجهة أيضًا إلى حلفائها. ترامب لا ينوي إدارة صراعات لا تنتهي؛ بل يسعى إلى فرض نظام. وبالنسبة لإسرائيل، فالمعنى واضح: تأكيد التزامه بأن تُنزَع عسكرة غزة — سواء عبر اتفاق أو بالقوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى