تقارير وتحقيقات

سيناريوهات “الثورة الإيرانية” وأحلام اليقظة الصهيونية

كتب:هاني الكنيسي
في زحمة الأخبار المتواترة من إيران وعنها، وفي خضم المتداول من تنظيرات عن مستقبل نظامها الحاكم مع تواصل مظاهرات الاحتجاج الشعبي وارتفاع عدد ضحاياها، وعلى ضوء التكهنات المتواترة عن ضربة أمريكية وشيكة، استوقفتني شخصيًا هذه الملاحظات:
– تصريح المستشار الألماني ‘فريدريش ميرتس’ بأن العالم يشهد “الأيام والأسابيع الأخيرة من نظام الحكم في طهران”. ليس لكونه تعليقا “مسيّسًا” من زعيم غربي آخر “يتشفّى” في ما يجري في إيران منذ ثلاثة أسابيع، أو لأنه يواكب مطالبة عدد من الدول -في مقدمتها الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا- رعاياها في إيران بالمغادرة العاجلة، وإنما لأنه صادر من ألمانيا التي يُشاع أنها تمتلك أهم مصدر استخباراتي على أرض إيران- مقارنةً مع نظيراتها الغربيات- والتي تتمتع بعلاقة “أفضل نوعا ما” عبر قنواتها الدبلوماسية وغير الدبلوماسية مع طهران الناقمة على جواسيس الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأستراليا. هل بلغت المستشار الألماني “معلومة ما” تشي بقرب انهيار منظومة الملالي؟ أم أن تصريحه كان من باب “المكايدة والمزايدة”؟اللافت أن رد وزير الخارجية الإيراني ‘عباس عراقجي’ على التصريح، بدا “باهتًا”، واقتصر على اتهام ألمانيا بأن لها “أسوأ السجلات في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان” بين الدول الأوروبية!
– الانضباط “المريب” مؤخرًا في تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين بشأن الأوضاع في إيران (بعدما كان يُنسب لبعضهم في الأيام الأولى من المظاهرات تفاخر بدور الموساد في دعم المحتجين على الأرض)، والاكتفاء بتسريب تصورات يروّجها الإعلام العبري عن سيناريوهات المرحلة المقبلة في المنطقة إذا ما تعرّضت إيران لضربة أمريكية. فضلًا عن “الهوس” باحتمالات “ضربة استباقية” إيرانية لإسرائيل إذا ما استشعرت طهران خطراً وجودياً (فيصبح الوحش محشورًا في الزاوية)، مع ترديد اقتباسات من مصادر رسمية “لم تكشف عن هويتها” بشأن الاستعدادات العسكرية الجارية على قدم وساق لمواجهة أي هجوم مباشر من إيران أو من وكيلها الأقرب جغرافيًا (حزب الله).
– انكباب الإعلام الأمريكي على مناقشة “وجاهة” المقترح “المنسوب للبنتاغون”، بتوجيه ضربة جوية قوية ومركّزة لمواقع المنشآت النووية الإيرانية ثم الانخراط بعدها في محادثات مباشرة مع المسؤولين الإيرانيين “المتراصين على أبواب واشنطن انتظارا لإشارة رضا”. في مقابل، تحليلات تستبعد أن يوافق ترمب على خطة حرب شاملة تستلزم نقل الأساطيل الأمريكية إلى مياه الشرق الأوسط وإنفاق المزيد من مليارات الدولارات على ضربات متتالية -أو عمليات إسناد بري- وربما التعامل مع رد فعل إيراني كارثي قد يسعى إلى محاولة إشعال المنطقة برمتها.
– الاحتفاء الغربي (خصوصًا الأوروبي) ببيانات نجل الشاه الراحل ووريث عرشه البائد ‘رضا بهلوي’ عن وجود خطة جاهزة “لليوم التالي” لاستلام الحكم في طهران بعد سقوط نظام الملالي، واستجداء التدخل الأمريكي الحاسم لحماية الشعب الإيراني من “الإبادة”. الغرب يراهن على الأمير الهارب كبديل “سريع التحضير كالنسكافيه” حتى لو كان “مؤقتاً مثل رودريغز في فنزويلا”، مع كامل علمه بأنه يفتقر إلى الشعبية الداخلية وإلى الشرعية القانونية بعد تحوّل إيران دستوريًا من النظام الملكي (الشاهنشاهي) إلى الجمهوري (الإسلامي).
– الاهتمام الصهيوني “الخاص” بوضع الحرس الثوري، باعتباره “الجيش الموازي” الذي يراهن عليه المرشد الأعلى ‘علي خامنئي’ وأركان نظامه كخط الدفاع الأساسي والأخير عن “الجمهورية الإسلامية”. وقد وجدت في مقال اللواء ‘جيورا آيلاند’ بموقع ‘واللا’ الاستخباراتي أفضل ترجمة لهذا الاهتمام. إذ يشير مبدئيًا إلى استفادة الحكام الإيرانيين من دروس التاريخ، منذ تأسيس دولتهم عام 1979، وإدراكهم أنه من أجل بناء نظام “منيع” ضد أي معارضة مستقبلية، عليهم إنشاء جيشين في إيران. أحدهما هو الجيش “النظامي”، الذي سيكون “وقودًا للمدافع” في حالة الحرب، كما حدث في الحرب الإيرانية العراقية ثمانينيات القرن الماضي. والثاني، جيش “النخبة” بقدرات عسكرية وتدريبية وتكنولوجية أفضل، والأهم بولاء “مضمون”. فالحرس الثوري ليس حرسًا رئاسيًا أو قوة أمن داخلي محدودة، بل جيش متعدد الأغراض يمتلك قوات جوية وبحرية وبرية، أفضل تجهيزًا وأقوى بكثير من الجيش النظامي، كما يتمتع قادته بامتيازات تضمن ولاءهم للحاكم. والحرس الثوري الذي تتبعه “قوات أمن الباسيج” (المعروفة بوحشيتها) مدرّب ليس فقط على إخماد شرارة أي تمرد داخلي أو ثورة في إيران، بل وعلى ردع عناصر الجيش النظامي عن دعم الثوار، لو رغبوا في ذلك. إلا أن الكاتب الإسرائيلي يرى أن هذه المرة، على عكس الماضي، لدى المتظاهرين فرصة أفضل، لثلاثة أسباب جوهرية: الوضع الاقتصادي الصعب الذي دفع الغالبية إلى الاحتجاج يأسًا من تحسّنه، والضعف الذي أظهره النظام خلال العامين الماضيين عندما فقد حلفاءه التقليديين (الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان)، وثالثا موقف الرئيس الأمريكي ترمب المعلن في تأييد المتظاهرين ووعده بالتدخل إذا قتلهم النظام .. “ولعله يتحيّن الآن لحظة الانقضاض”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى