قصة بني أمية.. من دمشق إلى أطراف الصين والأندلس: ملحمة الأمويين الكبرى

لا تقارن أحداً بمعاوية، فإنما معاوية بوزن نصف الإسلام. مقولة تنسب للإمام أحمد بن حنبل تحكي لك كيف كان معاوية وحده يساوي نصف وزن الإسلام. فما فعله كل المسلمين جميعاً بكفة، وما فعله هذا الرجل للعرب والمسلمين بكفة. نعيد لك سرد تاريخ هذا الرجل ودولته، لكن ليست بالطريقة التي تُحكى لك عادة، وإنما من زاوية تشرح لك لماذا عاد اسم بني أمية للواجهة الآن. هل سألت نفسك يوماً كيف كانت لتكون خارطة دولة العرب والمسلمين لو لم تولد أو توجد دولة بني أمية؟ ليس فقط شكل الخارطة، بل حال العرب والمسلمين كلهم لكان مختلفاً الآن لولا أولئك الذين نطلق عليهم اسم بني أمية. وما أن ننتهي من هذا المقال حتى تدرك كيف كان الحال، وكيف أصبح، وكيف كان ليكون لو لا هؤلاء الأمويون. لكن قبل أن نصل للنهاية دعونا نعود للبداية، بل إلى ما قبل البداية، ونعرف من هم هؤلاء بني أمية.
تعرفون قريش، أحد أبرز قبائل العرب بل وأكثرها قوة ونفوذاً وثراءً وجاهاً ووجاهةً، وتعلمون أن نسبها ضارب في التاريخ وصولاً للنبي إسماعيل بن النبي إبراهيم والسيدة هاجر عليهم جميعاً السلام. لكن ما لا تعلمونه ربما أن قريش لم تكن على الدوام اسماً حاضراً أو ذا مكانة. وإذا ما أردنا بدأ الحديث عنهم في القرن الأول الميلادي، أي قبل قدوم الإسلام بستة قرون، فهم كانوا قبيلة صغيرة مهمشة تعيش في مكة التي تحكمها قبيلة قوية تسمى خزاعة. حتى ولد لهذه القبيلة، أي قريش، طفل يدعى قصي بن كلاب.
وللمفارقة، مولد قصي خارج مكة، حيث كانت أمه في رحلة إلى قبيلة بني عذرة على تخوم الشام وذلك بعد وفاة زوجها. ونشأ قصي وترعرع هناك دون أن يعلم من أبوه وما هو نسبه، حتى كبر واشتد عوده وعلم أن جذوره تعود للمدينة المقدسة لدى العرب. ونعم، حتى قبل الإسلام كانت مكة مقدسة لدى العرب، وكان الناس يحجون إلى الكعبة. وكي تظلوا معنا في الصورة، فنحن زمنياً نتحدث عن أواخر القرن الرابع الميلادي، وهي الفترة التي يرجح أن قصياً هذا عاش فيها، والذي حين كبر وعلم القصة أراد العودة بقوة إلى مدينته لاستعادة حسبه ونسبه الذي حرم منه.
وفعلاً عاد، لكن وجد قبيلته ضعيفة ومقسمة، مضطرة لاستخدام الحكمة والدهاء. فتقرب لزعيم مكة آنذاك من قبيلة خزاعة، والذي يدعى حُلَيل بن حَبْشِيَّة، وتزوج إحدى بناته، وظل يعمل على توحيد صفوف قبيلته حتى وفاة حُلَيل هذا، لينقض على زعامة مكة. وتدور معركة بين القرشيين وبني خزاعة، وتنتهي بانتصار أهل قريش الذين نصَّبوا قصيَّاً زعيماً عليهم وعلى مكة لأول مرة في التاريخ، ليبدأ الرجل مرحلة جديدة تُسن فيها حكم نسله من بعده، بعد أن أسس دار الندوة ونظم شؤون المدينة والقبيلة. وطبعاً ستفهمون بعد قليل لما نحدثكم بهذه التفاصيل وعن هذا الاسم، أي قصي، والأسماء التي ستأتي بعده.
ومن جاء بعده كان أبناؤه الذين ورثوا الحكمة من بعده، والحديث عن ابنه الأكبر عبد الدار والأصغر عبد مناف. وعن عبد الدار فهو كان رجلاً ضعيفاً وتجافيه الحكمة، فآلت السلطة لعبد مناف القوي والحكيم. وهذا عبد مناف سمعتم به من قبل، فهو الجد الرابع للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، لكنه أيضاً الجد الرابع لمؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان. وقبل أن نصل لمعاوية، من المهم أن نعلم أن عبد مناف هذا أنجب أربعة أبناء هم: هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب. وكان هاشم ونوفل شقيقين من نفس الأم التي تنتسب لبني سليم، وهي قبيلة عربية معروفة، في حين كانت أم أمية تنتسب لقبيلة بني مخزوم، وهي أيضاً قبيلة عربية شهيرة. وهذا الاختلاف بالأمهات سيولد خلافاً بين الأبناء، وتحديداً بين هاشم وأمية، خلاف حسمه هاشم، للرجل الذي ابتكر ما يعرف في التاريخ برحلة الشتاء والصيف، وكان أول زعيم قرشي يزور الشام بنفسه، بل إنه توفي في مدينة غزة التي تنسب إليه. لذا كان هو من حسم الصراع له ولخلافته من بعده، أي عبد المطلب، لكن دون أن تقل مكانة أمية وبنيه، أي حرب. لكن ما جرى لاحقاً أن ابن عبد المطلب، أي عبد الله، توفي صغيراً، فآلت السلطة لصخر بن حرب المعني بأبي سفيان.
وهنا تفهمون سبب عداء أبي سفيان للرسول ودعوته بعد بعثة محمد عليه السلام، فالموضوع لم يكن يتعلق بتكذيب أبي سفيان للنبي الكريم فهو كان يعلم صدقه، لكن كان يخشى انتزاع سلطة كان يحلم بها. لكنه بالنهاية خسرها، وتعلمون جميعاً قصة البعثة وما جرى للنبي الكريم وأصحابه، وخروجهم من مكة ثم عودتهم لها فاتحين منصورين. لكن من المهم أن تعلموا أيضاً أن قدوم الإسلام أنهى سنوات العداء هذه بين أبناء العمومة، وهذا أمر أثبته القرآن الكريم بآية كريمة قال تعالى: “وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”. وهذا السرد كان مهماً للتمهيد للحديث عن معاوية أبي الدولة الأموية ومؤسسها وبانيها. ثمن هو معاوية؟ علمتم قبل قليل أصله وفصله وصولة قرابته بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
لكن إذا ما أردنا الاستفاضة بالحديث عنه أكثر، فعليكم أن تعلموا أن أمه هي هند بنت عتبة، والتي تعلمون قصتها. وعليكم أن تعلموا أن شقيقه قتل في معركة بدر، وتعلمون أيضاً أنه كان الوحيد من بيت أبي سفيان من آمن برسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. وقيل إنه، أي معاوية، أسلم سراً في العام السابع للهجرة، أي قبل فتح مكة، لكنه لم يجاهر بهذا خوفاً من غضب أبيه، خلاف ابن عمه عثمان بن عفان الذي ينتسب لآل أمية، الذي أسلم مبكراً وجاهر علناً ودفع كل ما يملك في سبيل نصرة الإسلام. لكن سرية إسلامه لم تبخس معاوية حقه، فهو أصبح أحد كتاب الوحي، وهذا أمر ما كان ليكون لولا أمانته وإخلاصه وصدقه. بل إن الرسول الكريم تزوج إحدى أخواته، وأسلم والده وأمه، وقد نصر الإسلام كثيراً. فهو كان محنكاً وحكيماً وبليغاً ورجلاً شديد الذكاء. لكن بحكم أن كثيراً من الصحابة سبقوه في اعتناق الإسلام، وبحكم أنه كان ما زال شاباً صغيراً في مطلع العشرينيات، لم يكن بالصفوف الأمامية لاحقاً، خاصة بعد قيام الخلافة الراشدة، والتي أعطت الحكمة والسلطة لمن هم خارج بطن هاشم وأمية.
والحديث عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وصحيح كلاهما قرشيان لكنهما ليسا من آل هاشم أو بني أمية، فالاختيار في دولة الخلافة كان عائداً للكفاءة. والكفاءة هذه ذاتها من أتت بعثمان بن عفان للسلطة خلفاً لعمر بن الخطاب. وكما ذكرنا، عثمان كان من بني أمية، والذي وفقاً للترتيب ورثه علي بن أبي طالب الذي ينتسب لآل هاشم. وما بين خلافة عثمان وعلي يمكن القول إن التنافس عاد للمرة الأولى من جديد بين بني أمية وبني هاشم، وهذا التنافس هو بداية الخلاف الذي سينشأ لاحقاً، والذي أنجب بين المسلمين حرباً طاحنة يسميها البعض بالفتنة، حيث خرج فريق خشي أن يحتكر بنو أمية أو حتى بنو هاشم السلطة من جديد، ويعرفون تاريخياً باسم الخوارج. وهؤلاء لم يكونوا يعرفون درباً للسياسة، ولكن قرروا الإطاحة بحكم عثمان بالقوة، حتى إنهم قتلوا عثمان بطريقة وصفت بالبشعة، حيث حاصروا منزله طيلة أربعين يوماً، ومنعوا عنه وعن أهله حتى الماء، ثم دخلوا عليه وهو يتلو القرآن وقتلوه عن عمر يناهز 82 عاماً.
وهو ما أغضب أهله وقبيلته، وخاصة ابن عمه والي الشام معاوية بن أبي سفيان، الذي رفض أن يتولى أحد الخلافة بعد عثمان إلى حين أخذ الثأر. في حين أن من آلت إليه السلطة، أي علي، فضل حقن دماء المسلمين. وهنا بدأ الانقسام الحقيقي فيما سيعرفون لاحقاً بالسنة والشيعة. والحقيقة التاريخية تقول إن القضاء على الخوارج كان شبه واجب، فهم من قتلوا علياً أيضاً. لكن الإمام علي كان يصنف على أنه رجل دين وحكمة أكثر من كونه رجل سياسة، وهذا لا ينتقص من مكانة علي وقدره، بل هي ميزة في صالحه أن لا يكون يميل للحروب والحل بالسيف، على الرغم من كونه كان محارباً فذاً. بل إنه أُجبر حين توليه السلطة على خوض حروب عدة، لكن وفق عديد المؤرخين كان الأمر يتطلب موقفاً أكثر حزماً وقوة، وهذه كانت صفة تتوفر حتى ذلك الحين برجل غاضب، طموح، وشديد، وحازم، وحاسم، رجل اسمه معاوية. والذي بعد وفاة علي ستؤول إليه السلطة، ويتغير كل شيء، بما فيه تاريخ الإسلام والمسلمين، بل العالم أجمع.
وليس فقط التاريخ بل الجغرافيا أيضاً ستصبح مختلفة. فمعاوية كان داهية العرب بلا منازع، ولولاه لظلت العربية حكراً على من يسكنون الرمال، فهو من أوصلها لسكان الجبال والغابات وما وراء أعالي البحار. ولن نبالغ لو قلنا لكم إن معاوية قد فتح البحر نفسه. فدعونا نغوص بكم بقصته أكثر، ونعرف كيف كان. بعد وفاة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، كان معاوية ما يزال جندياً في جيوش المسلمين، كان شاباً يافعاً في العشرينيات، وكان مرافقاً لأخيه الأكبر يزيد بن أبي سفيان، الذي كان قائداً في جيوش المسلمين التي تولت مهمة فتح بلاد الشام، والذي أيضاً اليزيد تولى ولاية الشام لكنه لم يعمر فيها طويلاً، حيث كان من الصحابة الذين قتلهم طاعون عمواس الشهير، ليرثه في ولاية الشام ابن عمه معاوية، وذلك في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي كان معجباً بطريقة معاوية بالإدارة.
ودعونا نخبركم هنا أمراً يتقاطع بين عمر ومعاوية، وهو أن كليهما كان يفقه معنى أن تكون دولة. فعمر هو صاحب فكرة الدواوين في الإسلام والتقويم وغيرها من الأفكار التي ساهمت بانتقال المسلمين من كونهم جماعة إلى دولة. والوحيد بعد عمر من سيملك عقلية ورؤية كهذه هو معاوية، الذي في عهد حكم ابن عمه عثمان سيتمتع باستقلالية أكثر، ويُثبت حكم المسلمين في الشام، بل وسيوسعه، وأيضاً سيدشن قوة بحرية للمسلمين لأول مرة في التاريخ، وسيضع يده على جزيرة قبرص الحالية، وبالتالي يجعل المسلمين يملكون البحر، أو شرق البحر الأبيض المتوسط. وأيضاً سيكون الدرع والسور الحامي لدولة الإسلام من أقوى قوة آنذاك، وهي الدولة البيزنطية. ويمكن القول إن سنوات حكم عثمان استغلها معاوية ليدشن أسس دولة قوية ومستقرة ومتماسكة وغنية، وأقوى حتى من دولة المسلمين المركزية، والتي كانت في الجزيرة العربية.
وسيجري اختبار قوة معاوية لاحقاً بعد مقتل عثمان، الذي قسم مقتله المسلمين كما ذكرنا إلى فريق يسعى للانتقام قاده معاوية نفسه، وفريق كان يريد حقن الدماء قاده الإمام علي. لكن والإمام علي يعارض الحرب والقتال، اضطر لخوض حرب ضد الجبهة الثانية، ولأجل هذه المعركة نقل العاصمة من المدينة إلى الكوفة في العراق هناك، حيث استعد لخوض ما ستعرف لاحقاً بمعركة صفين ضد جيش معاوية. وهي معركة انتهت بحادثة التحكيم الشهيرة التي حسمها معاوية لصالحه بفضل ذكاء عمرو بن العاص. لكن الحادثة لم تنهي الصراع، إلا إنها زعزعت أركان حكم علي، وساهمت بتمزق جيشه الذي سادته الفرقة والانقسامات، والتي ازدادت بعد مقتله على يد الخوارج، الذين كانوا يرفضون حكم كل من علي ومعاوية. ليبايع أنصار علي نجله الحسن، والذي وجد نفسه في موقف صعب حيث جيش ممزق وبعضهم كانوا يسعون لاغتياله، وبالمقابل جيش قوي ومتماسك يقوده معاوية، ليحدث في الإسلام حدث كبير وهو ما عرف بعام الجماعة، حيث تنازل الحسن عن الحكم لمعاوية عام 661 للميلاد.
وهنا في هذه اللحظة، اُطْلِقَ السطر على تاريخ ليُبدأ كتابة تاريخ جديد ليس للمسلمين، وإنما للعالم أجمع. معاوية لم يكن رجل دين، بل كان سياسياً وزعيماً يريد المجد له ولقومه، وصدَف أن قومه هم المسلمون. لذا حظي المسلمون بقيادة رجل ستدين له الأرض ومن عليها بالولاء، فهو الرجل الذي دشن أساسات الدولة العربية القوية، وهو الذي قاد سياسة التعريب بعد تعريبه للدواوين والولايات غير العربية، وهو من جعل اللغة العربية هي الرسمية لكامل بلاد المسلمين، وهو من جعل المراسلات مؤسسة رسمية، أي هو صاحب فكرة البريد، وهو أيضاً صاحب فكرة إنشاء أول جهاز استخبارات في العالم، حيث عمل على إنشاء مؤسسة لمن كانوا يسمون بالعيون أو الجواسيس. وهو كما ذكرنا لكم صاحب فكرة إنشاء أول أسطول بحري إسلامي، وهو من جعل البحر خاضعاً للعرب والمسلمين. وعلى الأرض، امتدت دولة معاوية غرباً حتى وصلت المحيط الأطلسي، وشرقاً حتى وصلت تخوم الهند، وشمالاً وصلت جيوشه القوقاز، بل وسير حملات نحو عقر دار بيزنطة. وجنوباً كان له الحكم حتى البحر الذي يسمى اليوم بحر العرب.
فكانت دولة معاوية ليست فقط الأكبر بالحجم، وإنما بالقوة والثراء. وفي ذلك العالم، في ذلك التوقيت، صعدت دولة معاوية لتتربع على القمة في العالم أجمع. ولعل من نافسها فقط قوتان في ذلك الحين: الدولة البيزنطية وإمبراطورية تانغ الصينية. أي أن معاوية صعد بالعرب من كونهم قبائل متناحرة يسكنون الصحراء وما حولها، ليصبحوا على قمة الأرض ومن دون منازع تقريباً. وهو بذلك الأب الفعلي لدولة العرب الأولى، وعَرَاب نهضتهم وقيامهم. وهو من دشن بعده لإمبراطورية ستتوسع أكثر وتقضي على جميع المنافسين، إمبراطورية سيهز اسمها الجميع، وهي دولة بني أمية. فكيف كانت دولة الأمويين؟ حكم معاوية بن أبي سفيان قرابة العشرين عاماً، فيها ظهرت الدولة ونمت، لكنه رحل مدشناً في التاريخ ما يعرف بالحكم الملكي للمسلمين، والذي قام على الخلافة التي بدأت بعد وفاة النبي الكريم بالشورى. لذا يمكن القول أيضاً إن معاوية كان صاحب بدعة التوريث في حكم المسلمين، لكن الحقيقة إنه بذلك طبق نظاماً كان معمولاً به في العالم كله آنذاك، أي توريث الحكم لنفس السلالة.
فخلفه ابنه يزيد، الذي لم يكن بذكاء وحنكة أبيه، والذي بعهده جرت أحداث الفتنة الأكبر في تاريخ المسلمين، يوم خرج الحسين بن علي مطالباً بالسلطة، وقُتل هو وكل من معه في كربلاء، أحداث قسمت المسلمين أو ستسهم بشق صفهم لاحقاً وربما للأبد. ولم تكن الثورات على يزيد من العراق فقط، بل حتى من مكة انتفض عبد الله بن الزبير على حكم يزيد رافضاً مبايعته. وعلى الرغم من سنوات قليلة مكثها يزيد في الحكم، لكنه رحل تاركاً الدولة في حالة فوضى، ليخلفه ابنه معاوية، الذي تنازل عن الحكم ومات سريعاً، وهو أمر استغله عبد الله بن الزبير ليعلن نفسه خليفة للمسلمين. لكن الأمويين في الشام اختاروا مروان بن الحكم ليصبح هو الخليفة، والذي لم يعمر سوى عام واحد تاركاً الحكم لابنه عبد الملك بن مروان، الذي يستحق أن نقف عنده قليلاً، فلعله ثاني أهم خلفاء بني أمية بعد معاوية.
كما لا يمكن الحديث عنه من دون الإشارة إلى ساعده الأيمن، أي الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذان الرجلان تحديدًا سيسهمان معًا بإعادة توحيد الدولة والقضاء على كافة التمردات فيها، بل إن ولاية كالعراق لطالما صدعت رؤوس حكام الشام بأنها ستتحول لواحة من الاستقرار، وليس فقط هي، فباقي أراضي الدولة سترضخ. هذا لاهيك عن الثورة الثقافية التي قادها الرجلان في البلاد، والتي ضمنت إصلاح الأنظمة، ودعم اللغة العربية ونشرها، فضلًا عن توسع الفتوحات شرقًا وغربًا، حتى وصلت حدود الصين تحت قيادة قتيبة بن مسلم. دون أن ننسى ذكر أن عبد الملك بن مروان هو باني قبة الصخرة في القدس، التي كانت تعبيرًا عن قوة الدولة الأموية. لاحقًا، بعد رحيل عبد الملك، سيخلفه نجله الوليد، الذي بنى المسجد الأموي في دمشق، لكن ما سيُحسب له كثيرًا أن فتوحاته ستدخل أول مرة أراضي القارة الأوروبية، حيث في عهده فُتحت الأندلس عام 711 للميلاد. لكن بعد رحيل الوليد سيبدأ ما عُرف بعصر انحدار الدولة، نظرًا لقدوم خلفاء أكثر ضعفًا، أمثال سليمان بن عبد الملك، ثم ستعود الدولة للتنفس من جديد حين أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة، لكنه لن يعمّر طويلًا، حيث سيخلفه هشام بن عبد الملك، والذي سيُعتبر آخر خليفة أموي له هيبة وحضور. بعده ستتداعى الدولة بوجود أسماء ضعيفة على العرش، كان آخرهم مروان بن محمد، الذي سيفرّ لمصر ويُقتل فيها، معلنًا نهاية الحكم الأموي، والذي بعد اندثاره سيأتي العباسيون الذين قادوا ثورة على الأمويين عام سبعمائة وخمسين للميلاد، لينتهي فصل من التاريخ ويبدأ كتابة فصل جديد مع دولة جديدة للمسلمين، لعلها من حيث الضخامة والقوة والإنجازات كانت أعظم من دولة الأمويين.
لكن لولا الأمويون وما فعلوه لما وُجدوا ما يُنجزونه، وأيضًا لن نغفل عن التذكير أن السادة العباسيين أعادوا من جديد الصراع بين بني هاشم وبني أمية، ذلك الصراع الذي بدأ قبل حتى ظهور الإسلام بكثير، صراع يخمد ويتجدد، ويحسمه طرف آخر للانتقام. صراع قريش الذي أصبح صراع العرب أجمعين. لكن وكما أن الاختلاف يخلق خلافًا أحيانًا، لكنه في أحيان أخرى أكثر يصنع إنجازات ويقدم خدمات، فلولا هذا التنافس بين الطرفين ربما لم تُبنَ دولة، ولم تزدهر، ولم تتوسع. فحتى والأمويون يخسرون حكمهم في الشام أبوا إلا أن يظلوا على الساحة وحاضرين، فما إن أُسقطوا في دمشق حتى ارتحلوا غربًا نحو الأندلس، هناك ليبدأوا تسطير صفحات جديدة من المجد في عقر دار الأوروبيين. فما هي قصة الأندلس؟ ذكرنا لكم أن في عهد الوليد بن عبد الملك تم فتح الأندلس، وذلك بعد أن كلف والي المغرب موسى بن نصير بذلك، واختار ابن نصير قائدًا من أبناء المنطقة يُدعى طارق بن زياد، وكلفه بفتح البلاد التي كانت تُعرف باسم ممالك القوط الغربيين. وفعلاً، عبر أسطول طارق المضيق الفاصل بين المغرب ومن ستُعرف لاحقًا باسم الأندلس، وفي ظرف أربع سنوات فقط أحكم العرب المسلمون السيطرة على ثمانين بالمئة مما تُعرف اليوم بإسبانيا والبرتغال، وذلك ما بين عامي سبعمائة واثني عشر وسبعمائة وخمسة عشر. وستظل بعد ذلك المنطقة خاضعة لحكم الأمويين في الشام.
لكن بعد سقوطهم على يد العباسيين والمذبحة التي جرت لهم، نجا منهم رجل يُعرف في التاريخ باسم عبد الرحمن الداخل، أو صقر قريش، والذي هرب للغرب حتى وصل الأندلس، ودشّن فيها حكمًا أمويًا جديدًا عام سبعمائة وستة وخمسين للميلاد، واختار قرطبة لتكون عاصمة الدولة الجديدة. ولأنه كان في تنافس لإثبات الذات أمام أبناء عمومته العباسيين، جعل قرطبة أجمل مدن العالم على الإطلاق في ذلك التاريخ، أو ما يُعرف بحقبة العصور الوسطى. فتحولت الأندلس في عهد الحكم الأموي الجديد إلى منارة للعلم والقوة والبذخ والحياة المستقرة والرغيدة، بل إن الأمويين بنوا أول جامعة في أوروبا عُرفت باسم جامعة قرطبة، وبنوا واحدًا من أجمل المساجد وأكبرها أيضًا في قرطبة. ودام حكمهم فيها حتى القرن الحادي عشر، وتحديدًا حتى عام ألف وواحد وثلاثين، وهو العام الذي انهار فيه الحكم الأموي في الأندلس، لتبدأ حقبة جديدة من ملوك الطوائف، ستنحدر فيها الدولة حتى يخرج المسلمون كليًا من أوروبا، بعد أن دشّنوا فيها ما يؤسس لاحقًا لما سيُعرف بعصر النهضة، وهي حقبة ذهبية من تاريخ المسلمين والعرب، حملت توقيع الأمويين الذين بسقوط حكمهم في الأندلس سينتهي وجودهم في السلطة للأبد.
وبعد، فما دمتم أيها الأحباب الكرام قد وصلتم إلى هنا من هذا المقطع، فقد أتممتم بفضل الله القراءة، فجزاكم الله من الخير أجزله. فإن صادف قبولًا، فلا تبخلوا علينا بإعجاب وتعليق ليصل إلى غيركم، وعلى الله الأجور. ولا تحرمونا كذلك من دعوة بظهر الغيب، وإن كان من ثلمة فشأن الكرام ستر العيب. أدامكم الله خيرًا لا ينقطع أثره، ممتدًّا في الدنيا وباقيًا.