
السَّماءُ مازالَتْ مُثقلةً بوشاحِ الليل، والعقاربُ تُبحرُ من منتصفه لتُعلن فجرَ الأوَّل من مارس.
أسيرُ في طريقٍ جانبيٍّ، يصحبني صوتُ قُمريّةٍ ينسابُ كتسبيحٍ رقيق، يُداعبُ الروحَ ويُوقظُ الحنين.
ومن مذياعِ دارِنا ينبعثُ نغمٌ قديم:
غنِّي يا قمري وأشدو بالنجوى،
غنِّي للدنيا، للغرام غنوة،
غنِّي قولْ لينا عن أمانينا،
طِر مع النسمة وامشِ ناجيهو،
قلبي يا قمري زاد في أشواقو…
“مارس” في الذاكرةِ يحكي عن الاستذكارِ والامتحان.. عن حصادِ العام الدراسي، وعن إجازةٍ تمتدُّ شهوراً، يُسافر فيها المحظوظون ليجدّدوا اللقاء مع الأتراب في حضن الأسرة الكبيرة.
ورغم أنني أسيرُ على أرضٍ صلبةٍ بفعل المدنيَّة، إلا أنَّني أغوصُ في رمالِ القرية، عائداً من المسجد مع لفيفٍ من الأهل، يتناقص العددُ حتى ألجَ الدار.
وفي النفسِ رغبةٌ للخلودِ إلى النوم، حتَّى يتناقص ظلُّ المرقد وتلسعكَ حرارةُ الشمس.
لكن في أغلب الأحيان، يسبقك صوتُ الحليب وهو ينسابُ في الإناء من معزاةٍ أو نعجةٍ، ثم تُصافحُ عينيكَ اِحدى حسانِ البيت وهي تحملُ الإناء وتبتسمُ لك… ابتسامة تكفي لتُضيءَ صباحك كلَّه.
صلاح الدين عثمان
الإسكندرية فجر الأوَّل من مارس ٢٠١٨م