
في تفسيره لعمل الاسواق الاقتصادية طرح آدم سميث مفهوم “اليد الخفية”(Invisible Hand ) والتي تعني بايجاز ” آلية تجعل السعي لمصلحة الفرد ينتهي الى تحقيق مصلحة الجماعة دون ان يكون ذلك هو قصد ذلك الفرد ” ، وتفتق بعض الفكر السياسي عن نقل جوهر فكرة”اليد الخفية” الى عالم السلطة والحكم والسياسة، فبدلا من انفاق الاموال وجر الجيوش وفرض سياسات حصار اقتصادي وسياسي وعسكري ،وبذل الجهود الاعلامية والدعائية لرسم صورة معينة لدولة معينة ، من الافضل العمل على “ايصال عميل” للسلطة ليقوم بتنفيذ كل ما تريده وبتكلفة اقل كثيرا من الوسائل التقليدية..اي استخدام ” يد خفية ” لايصال “عميل ” (Agent) للسلطة ليحقق لك كل ما تريده من دولة ذلك العميل.
وهناك ادبيات اكاديمية تناولت هذه المسألة بخاصة في السياسات الخارجية الامريكية، وتستخدم هذه الادبيات مفاهيم متعددة لهذا التوجه لكنها واحدة من حيث المضمون ، ومن ابرز هذه المفاهيم التي يكشفها تحليل مضمون هذه الادبيات ما يلي :
-Covert regime change
-Intelligence Operations
Political Penetration-
-Proxy Leadership
Political Warfare-
Active Measures-
ولعل استعراض بعضا من الدراسات المتخصصة في هذا الجانب يساهم في توضيح اليد الخفية في السلطة، ففي دراسة لاقت رواجا كبيرا ،بل وحصلت على جوائز اكاديمية دراسة السيدة Lindsey A.O’ourke والتي عنوانها :
Covert Regime change :America’s Secret cold war
الصادر عام 2018، وتدور فكرته المركزية حول دور الولايات المتحدة في القيام بعمليات سرية للتاثير او اسقاط حكومات اجنبية خلال فترة الحرب الباردة، والملفت للنظر ان الدراسة لم تعتمد دراسة حالات محددة بل وضعت بيانات متكاملة لتحدد السمة العامة لهذه العمليات، كما عرضت ابرز ادوات “اليد الخفية” مثل دعم الانقلابات،التدخل في الانتخابات،دعم الجماعات المنشقة عن النظام،القيام بعمليات الاغتيال ، وكل ذلك بهدف تجنب التدخل العسكري المباشر نظرا لتكلفته العالية ماديا ومعنويا. وتكشف الدراسة من خلال البيانات والتحليل الكمي لمثل هذا الدور “لليد الخفية” اعداد هذه الحالات وتفاصيلها أولا ، ومستويات النجاح والفشل ثانيا ،وطبيعة النتائج المترتبة على هذا الدور لليد الخفية ثالثا ، وتتحدث الدراسة عن 64 حالة تغيير نظام باليد الخفية مقابل ست حالات لمحاولات تغيير معلنة( وفي الطبعات اللاحقة ارتفع عدد العمليات السرية الى 72 خلال الفترة من 1947 الى 1989(اي بمعدل حوالي ثلاث عمليات كل عامين) . وتستنتج الدراسة ان مثل هذه العمليات الخفية تقود لنتائج استراتيجية لفترة قصيرة لكنها تؤسس لعدم استقرار طويل المدى، كما ان هذه العمليات تجعل التكلفة اقل من ناحية وتجعل المساءلة السياسية لهذا العمل “غير القانوني” اضعف لانها قائمة على السرية والغموض خلافا لقرار التدخل العسكري المباشر. واستنادا للمؤشرات الكمية يمكن تحديد ابرز الدلالات:
أ- مجموع حالات التدخل السري الامريكي بمختلف الاشكال هو 64 عملية ، نجح منها 25 وفشل 39(نجاح بنسبة 39.1%)
ب- عدد العمليات السرية يفوق ستة اضعاف العمليات المعلنة تقريبا .
ت- اما معدلات النجاح فهي:
1-دعم الانقلابات :معدل النجاح 69%، والملفت ان معدلات النجاح في الانقلابات في الدول الديمقراطية فاق معدلاته في النظم الاستبدادية.
2- دعم المعارضة :معدل النجاح 11.4%
وتكشف الدراسة عن ان الحكومات الامريكية مالت لهذا التدخل السري نظرا لقلة التكلفة ولأنها أقل تعقيدا في تداعياتها المستقبلية.
لكن نتيجة مهمة من الدراسة تكاد ان تكون هي الاقرب للواقع العربي ، فالدراسة تصل الى انه كلما كان الهدف الامريكي هو تحقيق “هيمنة اقليمية للولايات المتحدة او بعض حلفائها زادت احتمالات السرية الموجهة ضد النخبة الحاكمة او المؤسسة العسكرية في الدولة المستهدفة من العمل السري الامريكي”.وتتضح المسألة في النماذج التي تسوقها الدراسة من ايران وسوريا ولبنان وغواتيمالا والكونغو والدومينكان وفييتنام الجنوبية والتشيلي والبرازيل وبوليفيا وسورينام وبنما…الخ.
وتتسق هذه الدراسة مع نتائج دراسة منشورة في :
European Journal of Political Economy – 2023.
وتتضمن تحليل خمس حالات تدخل للسي آي ايه في امريكا اللاتينية ، ولكن الدراسة تصل لنتائج بان التدخل الامريكي ساهم في زيادة الاستبداد وانخفاض معدلات الدخل الفردي،
وفي دراسة عام 2003 لمجموعة من الاكاديميين(Bruce Bueno de Mesquita-et,al ) تحت عنوان :
The logic of Political Survival
يبحث المشاركون في الدراسة في موضوع محدد هو ” تشبث الحكام بالسلطة” وآليات هذا التشبث، والتي من بينها “السند الخارجي او النخبة الخارجية”، بخاصة اذا كان الحاكم متسقا مع التوجهات الامريكية ، ومن الذين يتم اختيارهم على اساس ان فيهم صفات ” تغذي النزق الناتج عن سياسات الحاكم المراد التخلص منه”.
لكن كتاب
Rhodri Jeffreys-Jones وعنوانه :
The CIA and American democracy
الصادر
عام 1989
ثم اعيد نشر الكتاب
مع اضافات هامة ، يتمحور في فكرته المركزية حول مخاطر ومنافع التدخل الاستخباري في العمل السياسي وبخاصة الخارجي،ولعل الفصل الثاني عشر (يناقش فيه القيود على العمليات السرية في السي آي ايه، ودور هذه الوكالة في صياغة السياسة الخارجية الامريكية)، وهذا الفصل تحديدا هو من اهم الفصول ذات الصلة بموضوعنا ، لاسيما ان الكتاب يحاول تقديم صورة اكثر تواضعا عن السي آي ايه من حيث الدور والفعالية وبخاصة في السياسة الخارجية. وهذا الكتاب يشكل حلقة حول دور السي آي ايه مع كتاب Tim Weiner
والذي يناقش تاريخ هذه المؤسسة ودورها بخاصة في السياسة الخارجية تحت عنوان:
Legacy of Ashes-The History of CIA
الصادر عام 2007، ويستند الكتاب على نوع من البحث الميداني من خلال تحليل حوالي 50 الف وثيقة ومئات المقابلات مع قيادات هذه المؤسسة، لكن السمة العامة للدراسة انها تقدم صورة “متواضعة ” عن قدرات المؤسسة، ومن اهم ما يعنينا في الكتاب الجوانب التي تغطي نشاط السي آي ايه خلال الحرب الامريكية العراقية، اضافة الى مسار انهيار الاتحاد السوفييتي وقبله الحر ب الفيتنامية. ويتضمن الكتاب اشارات لتغيير الانظمة عبر دور للسي آي ايه.
ماذا يعني ذلك كله:
ان التعالي على نظرية المؤامرة يُشكل في تقديري انكارا لوقائع تاريخية مثبتة، ولكن التوسع في توظيف نظرية المؤامرة لتفسير حركة التاريخ يغفل دور البُنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المساهمة في الحراك الانساني ككل والسياسي بشكل خاص.
ولعل العقل البراغماتي الامريكي القائم على الرأي القائل بان الحكم على مدى صحة فكرة معينة هو من خلال “النفع المترتب عليها” لا من خلال اتساقها المنطقي ، فإن ايصال “عميل ” للسلطة او الحفاظ عليه في السلطة هو اقل تكلفة ماديا ومعنويا من أدوات التأثير الاخرى لتغيير الانظمة او السياسات ، لذا، فان البراغماتية الامريكية لن تتوانى عن توظيف ذلك، وهو ما تدل عليه نتائج البحوث التي عرضنا نماذج منها رغم ان القائمة تطول. وبعد ايصال العميل لكرسي السلطة يستمر توجيهه عبر اليد الخفية من “علماء النفس والاجتماع والسياسة والانثروبولوجيا والاعلام…الخ” لضمان بقائه مع الحرص على تغطيته ببعض ” ديكورات الوطنية” وتغذية مخزون اللاوعي الاجتماعي الذاهب في هذا الاتجاه…ربما.