رؤي ومقالات

الإذاعية سمر محمد الصايم تكتب: وَهْمُ الجَهْلِ أَمْ جَحِيمُ المَعْرِفَة؟

كلما اقتربتَ، رأيتَ ما لم تكن تتمنى أن تراه..

ثَمّة مسافات لا نقطعها بأقدامنا، وإنما بفضولنا، وبأسئلتنا، وبرغبتنا في أن نعرف. وكلما اقتربنا من إنسان، أو فكرة، أو حقيقة، سقطت طبقة أخرى من الصورة التي اعتدناها، حتى نصل أحيانًا إلى منطقة لا يعود فيها التراجع ممكنًا؛ لأن ما عرفناه لم يعد يسمح لنا بأن نعود إلى جهلنا الأول.

حين تسقط الصورة

من بعيد، تبدو العلاقات أكثر نقاءً، والأشخاص أكثر اتساقًا، والنيات أكثر وضوحًا.

لكن القرب يكشف التفاصيل؛ والتفاصيل هي المكان الذي تختبئ فيه الحقيقة.

حين تقترب، قد تكتشف أن من ظننته قويًا يخفي هشاشته، وأن من حسبته واثقًا يعيش عمره كله في صراع مع نفسه، وأن الشخص الذي أحببته ربما كان يحبك بطريقته، لا بالطريقة التي كنت تحتاج إليها.

وقد تكتشف شيئًا أكثر إيلامًا:

«أنك لم تكن تعرف الآخر بقدر ما كنت تعرف الصورة التي صنعتها عنه.»

وهنا تبدأ المواجهة النفسية.

فالإنسان لا يخاف الحقيقة دائمًا لأنها مؤلمة، وإنما لأنه يعرف أنها ستجبره على اتخاذ موقف.

ما دمت لا تعرف، تستطيع أن تؤجل القرار.
ما دمت لا تعرف، تستطيع أن تبرر.
ما دمت لا تعرف، تستطيع أن تتمسك بالأمل.

أما حين تعرف، فإن الحقيقة تضعك أمام مسؤوليتك.

لماذا نختار الجهل أحيانًا؟

قد يختار بعضنا الجهل دون أن يعترف بذلك.

ليس لأنهم لا يريدون الحقيقة، وإنما لأنهم لا يريدون نتائجها.

هناك من يفضّل ألا يسأل كي لا يسمع الإجابة، ومن يتجنب الاقتراب كي لا يرى ما قد يغيّر مشاعره، ومن يتمسك بنسخة قديمة من إنسان، لأن النسخة الحقيقية ستفرض عليه أن يعيد حساباته.

وهذا هو وهم الجهل؛ أن نتصور أن ما لا نعرفه لا يؤذينا.

لكن الجهل لا يلغي الحقيقة، وإنما يؤجل لحظة اصطدامنا بها.

جحيم المعرفة

وفي المقابل، ليست المعرفة خلاصًا دائمًا.

فالمعرفة قد تكون جحيمًا حقيقيًا حين تصبح عبئًا لا نستطيع احتماله.

أن تعرف لماذا تغيّر شخص تحبه، وأن تعرف ما قيل عنك في غيابك، وأن تكتشف حقيقة كنت تتمنى لو بقيت مجهولة، وأن ترى التناقضات التي لم تكن تراها من قبل… كل ذلك قد يحوّل الطمأنينة إلى قلق، والثقة إلى شك، واليقين إلى أسئلة لا تنتهي.

وهنا تتدخل النفس البشرية بحيلها القديمة.

قد تنكر ما عرفت، وقد تبحث عن تفسيرات تخفف وقع الحقيقة، وقد تلوم ناقلها بدلًا من مواجهة مضمونها، وقد تتشبث بتفصيلة صغيرة تنقذ الصورة القديمة كلها.

لأن العقل لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن ما يستطيع التعايش معه.

ولهذا ربما لا تكون المشكلة في المعرفة نفسها، وإنما في قدرتنا على احتمالها.

أن ترى الإنسان كاملًا

فليس كل ما نعرفه يحتاج إلى أن يتحول إلى حرب، وليس كل حقيقة تحتاج إلى عقاب، وليس كل عيب يكتشفه القرب سببًا للرحيل.

هناك فرق بين أن ترى الإنسان كاملًا، وأن تراه بلا عيوب.

الكمال وهم، أما الرؤية الكاملة فهي أن ترى النور والظل معًا.

أن تعرف أن من تحبه ليس بريئًا دائمًا، لكنه قد يكون صادقًا في أوقات أخرى. وأن تدرك أن الشخص الذي أخطأ قد يمتلك القدرة على الاعتذار والإصلاح.

لكن هناك، في المقابل، حقائق لا ينبغي تجميلها.

فالمعرفة لا تطلب منا أن نسامح كل شيء، ولا أن نبرر كل شيء، ولا أن نبقى في الأماكن التي تؤذينا بحجة أننا أصبحنا نفهم أصحابها.

أحيانًا تكون المعرفة هي اللحظة التي تنقذنا.

حين تصبح المعرفة مسؤولية

أن تعرف، يعني أن تملك فرصة الاختيار.

أن تعرف حقيقة علاقة ما، أفضل من أن تقضي عمرك في الدفاع عن وهم.

أن تعرف حقيقة شخص، أفضل من أن تمنحه مكانًا في حياتك لا يستحقه.

أن تعرف حقيقتك أنت، حتى لو كانت مؤلمة، أفضل من أن تعيش عمرًا كاملًا داخل شخصية اخترعتها لإرضاء الآخرين.

لكن المعرفة لا تمنحنا الاختيار فقط؛ إنها تجعلنا مسؤولين عنه.

فبعد أن تعرف، لا يعود الأمر كما كان قبل المعرفة.

يصبح القرار قرارك أنت، لا قرار الظروف، ولا الجهل، ولا الصورة التي كنت تراها من بعيد.

يمكنك أن تبقى، لكنك تعرف لماذا بقيت.

ويمكنك أن ترحل، لكنك تعرف ماذا ستخسر.

يمكنك أن تسامح، لكنك تدرك ما الذي تسامح عنه.

ويمكنك أن تمنح فرصة أخرى، لكنك تعرف ثمنها واحتمالاتها.

وهنا تكمن إحدى أكثر مراحل النضج الإنساني قسوة:

«أن تختار وأنت واعٍ بالنتائج.»

فالقرار الناضج ليس هو القرار الذي يضمن لنا ألّا نتألم؛ إذ لا توجد حياة تمنح هذه الضمانات.

وإنما هو القرار الذي نتخذه ونحن نعرف قدر الإمكان ما الذي نفعله، ولماذا نفعله، وما الذي قد يترتب عليه.

وعندها، حتى لو أخطأنا، يصبح الخطأ جزءًا من وعينا، لا مجرد حادثة نلقيها على الآخرين.

الحقيقة أم الطمأنينة؟

وربما لهذا كان جحيم المعرفة أكثر رحمة من نعيم الجهل.

فالجحيم الذي تضعك فيه الحقيقة مؤلم، لكنه واضح.

أما الجهل، فقد يمنحك سنوات من الطمأنينة الزائفة… ثم يتركك ذات يوم تكتشف أنك لم تكن تعيش حياة حقيقية، وإنما كنت تحرس وهمًا من السقوط.

ولعل أقسى أنواع المعرفة ليست أن تعرف الآخرين على حقيقتهم…

«بل أن تعرف نفسك بعد أن يسقط الآخرون من عينيك.»

وحينها فقط تفهم أن الاقتراب لم يكن عن الآخرين وحدهم.

كان عنك أنت أيضًا.

عن قدرتك على أن ترى، وأن تفهم، وأن تختار، ثم أن تقف أمام اختيارك كاملًا…

و حين تدفع الثمن لا تلوم أحدًا على ثمن كنت تعرفه مسبقاً حينما إتخذت القرار عن وعي …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى