رؤي ومقالات

الكاتب الصحفي محمد الغول يكتب: الأهرام .. ظالم أم مظلوم؟!

(الأهرام .. من التصاق الروح في حضن البدن .. من رائحة الحبر إلى وهج الشاشة) .. حكاية أربعين عاما معها وفيها .. رسمت خريطة حياتي وشكلت ملامح وجداني … دخلتها شابا.. واخرج منها وفي قلبي عمر كامل

هناك أماكن ندخلها ثم نغادرها كما دخلناها…
وهناك أماكن ندخلها مرة واحدة، لكنها لا تخرج منا أبدا.

تظل رائحتها عالقة في الذاكرة، وأصواتها تسكن القلب، ووجوه الذين مررنا بهم فيها تعود إلينا كلما أغمضنا أعيننا.

في مطلع عام 1990، دخلت الأهرام شابا، لا أعرف أن الخطوة التي خطوتها يومها ستصبح واحدة من أطول خطوات عمري.

أربعون عاما لم أعشها مع الأهرام فقط… بل عشتها فيها، ومنها، وبها.

منذ اللحظة التي التصقت فيها روحي بهذا المكان،
لم تعد الأهرام مؤسسة أذهب إليها،
بل صارت مكانا أعود إليه في داخلي كلما ابتعدت عنه.

هنا مرت السنوات،
وهنا تبدلت ملامح العمر،
وهنا كبرت الأحلام، وانكسرت أخرى،
وهنا تعلمت أن بعض الأماكن لا تسكنها أعواما…
بل تسكنك هي العمر كله.

دخلتها شابا يحمل حلما صغيرا،
فإذا بها تفتح لي أبوابا أوسع من الحلم،
وتأخذ بيدي من رائحة الحبر إلى وهج الشاشة،
ومن دفء الورق إلى رحابة العالم الرقمي،
ومن صالة التحرير إلى آفاق لم تكن قد وُلدت بعد.

في أربعين عاما،
لم تكن الأهرام شاهدة على حياتي فحسب…
كانت شريكة في رسم خريطتها،
ومنحت ملامحها لوجداني،
وتركت في روحي ما لا تمحوه السنوات.

كبرت معها،
وتغيّرت بتغيرها،
وحملت من صالاتها شيئا من أصوات الذين سبقونا،
ومن مكاتبها شيئا من أحلامهم،
ومن حبرها شيئا من ضمير المهنة.

واليوم، حين ألتفت إلى الوراء،
لا أرى أربعين عاما مضت…
بل أرى عمرا كاملا مكتوبا بين سطر وسطر،
وبين صفحة وشاشة،
وبين حلم بدأ ذات يوم… ومستقبل ما زال يكتب نفسه.

دخلت الأهرام شابا…
وأخرج منها الآن، وفي قلبي عمرٌ كامل.
لكنني اكتشفت متأخرا
أنني لم أكن أخرج منها أصلا…
لأن بعض الأماكن إذا دخلتها الروح،
لا يكون لها باب للخروج.

الأهرام ليست أربعين عاما من عمري…
الأهرام هي الأربعون عاما التي صنعت شيئا من عمري.
الأهرام ترسم خريطة العمر
وتشكل ما يشبه الوطن

كنت أظن أنني ذاهب إلى مؤسسة أعمل فيها، فإذا بي أدخل مدرسة للحياة، ومحرابا للكلمة، وذاكرة تمشي على قدمين.

كانت صالة التحرير يومها عالما له رائحة خاصة وصوت مميز .. وروح… لها معنى وقيمة .. كانت تفوح منها
رائحة الورق والحبر، رنين الهواتف، وقع الخطوات، أصوات النقاش، أوراق تُكتب وأخرى تُراجع، عناوين تولد ثم تموت قبل أن ترى النور، وصحفيون يتعاملون مع الكلمة كما لو أنها أمانة ستسأل عنها أرواحهم ذات يوم.

لم أكن أعرف أن تلك التفاصيل الصغيرة التي كنا نعيشها دون أن ننتبه، ستصبح بعد سنوات كنوزا من الحنين.

ولم أكن أعرف أيضا أن الصحافة التي عرفناها ستتغير…
وأن الورق سيجد نفسه ذات يوم أمام الشاشة، وأن الخبر الذي كان ينتظر موعد الطبعة سيصبح قادرا على الوصول إلى ملايين الناس في لحظة، وأن الصحفي الذي كان يحمل دفترا وقلما سيحمل معه هاتفا وكاميرا وعالما كاملا من الأدوات.

لكن وسط كل هذا التغيير، بقي سؤال واحد يؤرقني:

إذا تغيرت الصحافة… فهل يجب أن يتغير ضميرها؟

وماذا حدث للصحفي الذي كان يسأل أولا: «هل هذا صحيح؟» قبل أن يسأل: «هل سيشاهده الناس؟»

وماذا فعلت السرعة بنا؟
وماذا أخذت منا الأرقام والمشاهدات والانتشار؟

وماذا بقي من تلك المهنة التي أحببناها، ومن أولئك الذين أفنوا أعمارهم في صالات التحرير، يكتبون عن أحزان الناس وأفراحهم، ثم يعودون إلى بيوتهم يحملون أحزانهم في صمت؟

ربما لهذا أعود اليوم إلى البداية…

إلى صالة التحرير.
إلى رائحة الحبر.
إلى الوجوه.
إلى الذين سبقونا.

إلى ما تعلمناه، وما فقدناه، وما ينبغي ألا نفقده أبدا

وأعود إلى الأهرام لا لأتحدث عن الماضي فقط…
بل لأبحث عن المستقبل.

لأنني مؤمن أن الماضي بلا مستقبل مقبرة، والمستقبل بلا ذاكرة دخان في الهواء.

وأؤمن أكثر أن الوفاء للأهرام ليس أن نقف طويلا أمام تاريخها ونحكي ما كان…

بل أن نحمل هذا التاريخ معنا، ونفتح له نافذة على الغد.

هذه ليست حكاية مؤسسة فقط…

إنها حكاية مكان سكننا، وأشخاص تركوا أثرهم فينا، ومهنة أحببناها، وقلوب تعبت، وقلوب تحتاج إلى أن تُجبر، وأجيال تتغير، وقيم يجب ألا تسقط مهما تغيرت الوسائل.

إنها حكاية الأهرام… حين دخلتها ذات يوم، فدخلتُ معها التاريخ.

في مطلع عام 1990، دخلت الأهرام شابا حالما متفائلا، أحمل في يدي أوراقا قليلة، وفي قلبي حلما أكبر من العمر .. حلم يستوعب الكون كله.

لم أكن أعرف يومها أنني لا أدخل مؤسسة صحفية فحسب،
ولا مكانا للعمل،
ولا مبنى تتعاقب عليه الأيام؛
كنت أدخل شيئا يشبه الوطن حين يتجسد في مكان،
ويشبه التاريخ حين يفتح لك بابه،
ويشبه القدر حين يمنحك فرصة لا تعرف قيمتها إلا بعد أن تمضي بك السنوات.

بعض الأبواب ندخلها بأقدامنا، وبعضها ندخلها بأرواحنا.
وكان باب الأهرام من تلك الأبواب التي إذا دخلتها مرة، لم تعد أنت الشخص نفسه الذي كان يقف خارجه.

دخلت صالة التحرير، فإذا بي أمام عالم آخر.
رائحة الورق والحبر، أصوات الهواتف التي لا تهدأ، حركة الصحفيين في الصالة، أوراق تتناثر فوق المكاتب ثم تعود مرتبة، خبر يُكتب، وخبر يُراجع، وعنوان يُناقش، وكلمة تُحذف، وأخرى تُستبدل؛ لأن الكلمة في الأهرام لم تكن مجرد حروف تُرص فوق الورق، وإنما كانت أمانة لها وزن، ومسؤولية لها ظل، وشهادة قد تبقى أطول من أصحابها.

كان لكل مكتب حكايته. ولكل كرسي صاحبه. ولكل درج أسراره. وكان فوق المكاتب أوراق كثيرة، لكن فوقها جميعا كان هناك شيء لا يُرى هو:
ضمير المهنة.

هناك تعلمنا أن الصحافة ليست أن تعرف الخبر فقط، وإنما أن تعرف ماذا تفعل به، وكيف تكتبه، ومتى تنشره، ولمن تقوله، وما الأثر الذي سيتركه بعد أن تنتهي ضجة الكلمات.

تعلمنا أن وراء كل خبر إنسانا، ووراء كل كلمة مسؤولية، ووراء كل عنوان وطنا قد يتأثر بما نكتب.

وكانت صالة التحرير مدرسة لا ترفع لافتة على بابها.

كنا نتعلم من نظرة صحفي كبير، ومن ملاحظة عابرة، ومن تصحيح أحمر على ورقة، ومن عنوان أعيدت صياغته مرات، ومن خبر تأخر نشره لأن معلومة واحدة لم تكن قد اكتملت.

كنا نتعلم أن الخبر الذي يصل متأخرا خير من خبر يصل مبكرا ومعه خطأ.

وأن الحقيقة لا تحب العجلة، وإن كانت الصحافة في كل زمان تعشق السبق والسرعة.

كانت الليالي تطول، ويبرد الشاي والقهوة فوق المكاتب، بينما تظل العيون مستيقظة، كأن الليل نفسه يجلس معنا في صالة التحرير ينتظر الصفحة الأخيرة.

وكان التعب حاضرا، لكن الحماس كان أقوى.

وكانت الأجساد ترهقها الساعات، لكن العيون كانت تظل معلقة بشيء أكبر من التعب:
أن تخرج الصحيفة كما ينبغي أن تكون.

لم نكن نعرف وقتها أننا نعيش أياما ستصبح فيما بعد ذاكرة.
كنا نعيشها فقط.
وهذه هي المفارقة الجميلة في الحياة: أن أجمل أيامنا لا تأتي وهي تحمل لافتة تقول: «انتبهوا… نحن نصنع ذكرياتكم».
تمر بنا عادية، ثم نلتفت إليها بعد سنوات فنكتشف أنها كانت العمر نفسه.

تغيرت الأيام
تغير الورق، وتغيرت الشاشات، وتغيرت سرعة الخبر، وتغير القارئ، وتغيرت الأدوات، بل تغيرت الصحافة نفسها.

انتقلنا من رائحة الحبر إلى وهج الشاشة، ومن صالة التحرير إلى غرف الأخبار الرقمية، ومن انتظار طبعة الغد إلى خبر يصل إلى الناس في اللحظة نفسها.

وصارت الكاميرا في يد الصحفي، والهاتف مكتبا، والشاشة نافذة مفتوحة على العالم كله.

وصارت الصحافة تركض.
لكن المشكلة ليست في أن الصحافة ركضت…
المشكلة أننا في سباق شديد السرعة، حتى كادت بعض الصحافة أن تنسى إلى أين تركض.

نفرح بالمشاهدة، وننسى قيمة ما شاهده الناس.
نحتفل بالانتشار، وننسى ماذا انتشر.

نطارد الأرقام، وننسى أن وراء كل رقم إنسانا، وأن قيمة الصحافة لا تُقاس فقط بعدد من شاهدوا، وإنما بعدد من صدقوا، وفهموا، وتأثروا، واستفادوا.

والصحفي…
ذلك الذي كان يوما يجلس أمام ورقته ويسأل نفسه:
هل هذا صحيح؟
صار مضطرا أحيانًا أن يسأل قبل ذلك:
هل سيشاهده الناس؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
معركة بين السرعة والدقة.
بين الانتشار والعمق.
بين ما يطلبه الجمهور وما يحتاجه الجمهور.
بين عنوان يجذب العين، وعنوان يحترم عقل القارئ.
بين أن نصنع محتوى يصفق له الناس لحظة، ومحتوى يبقى في ذاكرتهم سنوات.

فالصحافة قد تغير ملابسها، وقد تغير أدواتها، وقد تنتقل من الورق إلى الهاتف، ومن الحبر إلى الضوء…
لكن لا ينبغي لها أن تغير ضميرها.

وأحيانا، وأنا أنظر إلى الصحفيين اليوم، أشعر أنني لا أرى فقط أصحاب مهنة…
أرى أناسا يحملون فوق أكتافهم ما لا يراه أحد.

صحفي يكتب، ويصور، ويحرر، ويتابع، وينشر، ويراجع، ويرد، ويراقب الأرقام، ويلاحق الخبر، ثم يعود إلى بيته وكأن يومه لم ينته.

أناس يكتبون عن أحزان الناس، ثم يعودون إلى بيوتهم يحملون أحزانهم في صمت.

يكتبون عن نجاحات الآخرين، بينما يخوضون معاركهم الخاصة بعيدا عن الضوء.

يبتسمون أمام الشاشة، وقد يكون في داخلهم ما يكفي من التعب لإطفاء مدينة.

ولهذا، فإن الحديث عن مستقبل الصحافة لا ينبغي أن يكون حديثا عن التكنولوجيا وحدها.
بل عن الإنسان الذي يستخدم التكنولوجيا.

عن الصحفي الذي يحتاج أحيانا إلى كلمة طيبة أكثر مما يحتاج إلى تعليمات.

إلى من يقول له: أحسنت.
إلى من يقول له: تعالى نصلح الخطأ معا إذا كنت اخطأت.
وإلى من يمد يده إليه عندما يتعثر، بدلا من أن يدفعه إلى مزيد من السقوط.

جبر خاطر الصحفيين ليس رفاهية.
إنه جزء من أخلاق المؤسسات.

فالمؤسسة التي تحفظ كرامة الإنسان، تحفظ في الوقت نفسه قدرته على العطاء.

والصحفي الذي يشعر أن مكانه يراه، ويسمعه، ويقدّر تعبه، يستطيع أن يعطي أكثر، وأن يحب أكثر، وأن يحمي المكان الذي ينتمي إليه أكثر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه بعد كل هذه السنوات أن الإنسان أكبر من خطئه، وأن المواقف لا ينبغي أن تكون سيوفا دائمة، وأن العفو ليس ضعفا، وأن التسامح ليس تنازلا، وأن الاعتذار لا يُنقص صاحبه، بل يرفعه.

هناك أشياء لا تصلحها اللوائح…
تصلحها الرحمة.

وأشياء لا تعالجها القرارات…
يعالجها جبر الخاطر.

وأشياء لا يعيدها الزمن…
يعيدها قلب يعرف كيف يسامح.

يا أهرام…
ربما أخطأنا في حقك أحيانا.
وربما قسونا، أو اختلفنا، أو غضبنا، أو حمل كل منا في قلبه شيئا من العتاب.

لكن العتاب لا يعني نهاية الحب.
بل ربما لا يأتي العتاب إلا من قلب أحب أكثر مما ينبغي.

فهل نتصالح؟
هل نضع تعب السنين على عتبة الماضي؟
هل نغسل قلوبنا من غبار الخصام؟
هل نعطي بعضنا فرصة أخرى لنقول ما لم نستطع قوله بالأمس؟

أنا لا أريد أن أتذكر من الأهرام فقط ما حدث فيها…
أريد أن أتذكر ما صنعته الأهرام فينا.

لقد صنعت أجيالا.
علمتنا معنى الانتماء.
علمتنا أن للمهنة شرفا.
وأن للكلمة قداسة.

وأن الصحفي لا يملك قلمه وحده؛ فهناك قارئ يثق به، ووطن ينتظر منه الأمانة، وتاريخ قد يحاسبه ذات يوم على ما كتب.

ولهذا، فإن الوفاء للأهرام ليس أن نقف أمام تاريخها ونصفق له.

الوفاء الحقيقي أن نصنع لها تاريخا جديدا.

الأهرام ليست مجرد صفحات قديمة نحفظها في الأرشيف.
إنها ذاكرة وطن.

وفي ذاكرتها وجوه أناس رحلوا، وأصوات أجيال مضت، وأحلام كتبت بالحبر، وأيام كانت مصر فيها تبحث عن نفسها، فكانت الأهرام تكتب معها سيرة الطريق.

لكن الذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى متحف.
الذاكرة ليست قبرا… الذاكرة مصباح.
نحمل نورها، لا رمادها.
نأخذ منها الحكمة، لا الجمود.
نحفظ الجذور، لكننا لا نمنع الشجرة من أن تنمو.
فالماضي بلا مستقبل… مقبرة.
والمستقبل بلا ذاكرة… دخان في الهواء.

أما الأهرام التي نحلم بها، فهي شجرة عظيمة:
جذورها في تاريخ مصر، وجذعها في حاضرها، وأغصانها تمتد إلى غد لم يولد بعد.

ومن حق الأهرام أن تدخل المستقبل وهي تحمل ماضيها لا كعبء، وإنما كقوة.

أن تنتقل من الحبر إلى الضوء،
ومن الورق إلى الشاشة،
ومن صالة التحرير التقليدية إلى غرفة أخبار حديثة،
ومن الخبر إلى القصة،
ومن القصة إلى الصورة،
ومن الصورة إلى الصوت،
ومن كل ذلك إلى تجربة إعلامية جديدة،
دون أن تفقد روحها.

نريد التكنولوجيا خادما للحقيقة، لا سيدا عليها.

نريد السرعة في خدمة الدقة، لا خصما منها.

نريد أن تكون منصات التواصل الاجتماعي أبوابا جديدة للأهرام، لا جدرانا تفصلها عن جمهورها.

نريد للأهرام أن تصل إلى الشباب دون أن تتخلى عن وقارها، وأن تتحدث بلغة العصر دون أن تنسى لغة العقل، وأن تدخل العالم الرقمي دون أن تخرج من عباءة المهنية.

وأحيانا أتخيل أنني أعود إلى صالة التحرير القديمة.
أدخلها وحدي.
أبحث عن مكتب قديم.
ألمس ورقة صفراء.
أشم رائحة الحبر.
ثم أسمع صوتا يأتي من بعيد:
«هل ما زلت تذكر؟»
فأقول:
نعم…
أذكر.
أذكر أول خطوة.
أذكر الوجوه.
أذكر الذين سبقونا.
أذكر من علمونا.
أذكر الذين تعبوا ولم يتحدثوا عن تعبهم.
أذكر من أعطوا الأهرام من أعمارهم أكثر مما أخذوا منها.
وأذكر أنني دخلت هذا المكان يوما أبحث عن فرصة للعمل…
فوجدت نفسي أتعلم معنى الحياة.

ثم تسألني الأهرام:
«وماذا تريد مني الآن؟»

فأقول:
لا أريد منك شيئا.
أريد أن أعطيك.
أريد أن أعطيك ما تعلمته منك.
أريد أن أعطيك الوفاء الذي تستحقينه.
أريد أن أعطيك مستقبلا يشبه تاريخك في عظمته، وعصرنا في سرعته، وأحلام أبنائنا في اتساعها.

أريد أن أقول لمن يأتي بعدنا:
لا تأخذوا الأهرام كأمر مفروغ منه.
فالأماكن العظيمة لا تحيا بتاريخها وحده.
يحيا التاريخ حين يجد من يصونه، ويضيف إليه، ويمنحه حياة جديدة.
لا نريد أن نحرس تاريخك فقط…
نريد أن نصنع لك تاريخا جديدا.

يا أهرام…
لقد كنت لنا مدرسة قبل أن تكوني مؤسسة.
ومرآة لمصر قبل أن تكوني صحيفة.
وبيتا مهنيا قبل أن تكوني مكانا للعمل.

وفي البيوت لا تكون كل الأيام جميلة، ولا كل العلاقات بلا عتاب، ولا كل الحكايات بلا وجع.

لكن البيت الحقيقي هو الذي نعود إليه مهما ابتعدنا.

هو الذي نختلف معه ولا نفقده.
نغضب منه ولا نكرهه.
نعاتبه ولا نهدمه.
ونخطئ في حقه، ثم نعود إليه بقلوب أكثر نضجا ورحمة.

فليكن القادم أهدأ من الماضي.
وأرحب من الخلاف.
وأكبر من العتاب.

لنجعل من التسامح جسرا، ومن المحبة وطنا، ومن الأخلاق قانونا لا يحتاج إلى مادة في لائحة.

ولنجبر خاطر من انكسر.
ونرد الاعتبار لمن ظلمته لحظة.
ونمد أيدينا لمن ابتعد.

فما قيمة أن ننتصر في النقاش ونخسر الإنسان؟

وما قيمة أن نربح معركة صغيرة ونخسر قلبا كان يمكن أن يبقى معنا طويلًا؟

يا أهرام…
نحن لا نملك أن نعيد الزمن.
ولا نستطيع أن نعيد الوجوه التي رحلت.
ولا أن نكتب الصفحات كما لو أننا لم نخطئ.

لكننا نملك شيئا أجمل:
أن نكتب الصفحة القادمة بطريقة أفضل.

وهذه ربما أجمل هدية يمكن أن نقدمها للماضي.
أن نحترمه دون أن نسكن فيه.
أن نحبه دون أن نتجمد عنده.
أن نأخذ منه النور، ثم نمضي.
فالحياة لا تقول لنا: عودوا إلى الأمس.

الحياة تقول:
خذوا من الأمس حكمته، ومن اليوم شجاعته، ومن الغد حلمه.

وهكذا تكون الأهرام…
ليست ما كان فقط.
وليست ما هو كائن الآن.

الأهرام هي ما نتركه لمن سيأتي.

وحين أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي دخل الأهرام في مطلع 1990، أراه الآن واقفا أمامي.
أنظر إليه طويلا.

وأقول له:
لم تكن تعرف يا بني أنك حين خطوت هذه الخطوة، كنت تكتب فصلا من عمرك.

لم تكن تعرف أن رائحة الحبر ستصبح بعد عقود رائحة للحنين.

وأن صالة التحرير ستتحول في ذاكرتك إلى وطن.

وأن أسماء كثيرة ستصبح جزءًا من قلبك.

وأنك ستكتشف بعد أربعين عاما أن بعض المؤسسات لا تمنحك وظيفة…

بل تمنحك جزءًا من روحها.

وأقول له أيضا:
لا تخف من المستقبل.

فالذي حفظ الحكاية كل هذه السنوات، قادر على أن يكتب فصلها القادم.

لا تخف من الشاشة.
فالحبر ليس هو الورق.
الحبر الحقيقي هو ما يترك أثرا في الإنسان.

ولا تخف من التكنولوجيا.
فالأداة تتغير، أما الرسالة فلا ينبغي أن تتغير.

ولا تخف من أخطاء البشر.
فالبشر يخطئون…
لكن المؤسسات العظيمة تعرف كيف تمنحهم فرصة للتعلم، وكيف تفتح أبواب الإصلاح بدل أن تغلق أبواب الحياة.

وفي النهاية…
ربما لا أملك للأهرام قصيدة تليق بتاريخها.
ولا أملك كلمات تستطيع أن تختصر كل هذه السنوات.

لكنني أملك شيئا واحدا:
الحب.
الحب أخذا وعطاءً، نهجا وسلوكا
والحب، حين يصدق، لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

يكفي أن تقول لقلب أحببته:
أنا لم أنس.
لم أنس ما أعطيتني.
لم أنس من علموني.
لم أنس من تعبوا.
لم أنس رائحة الورق.
ولا صوت الهواتف.
ولا ضجيج صالة التحرير.
ولا ليالي العمل.
ولا فرحة صدور العدد.
ولا ذلك الشعور الغامض الذي كان يملأ القلب عندما ترى اسمك مطبوعا على صفحة من صفحات الأهرام.

لم أنس شيئا.
وربما لهذا أقول اليوم:

يا أهرام…
إن كان لنا عندك عتاب، فسامحينا.

وإن كان لنا عندك فضل، فلا تنسي أننا أيضا تعلمنا منك معنى الفضل.

وإن كان بيننا وبينك بعض التعب، فليكن ما تبقى من الطريق أكثر رحمة.

دعينا نضع أيدينا في أيدي بعض.

دعينا نغلق أبواب الخصام، ونفتح نوافذ المستقبل.

دعينا نكتب معا فصلا جديدا…
لا يمحو ما سبق، ولا يكرر ما سبق، وإنما يبني عليه.

فالأهرام التي أحببناها بالأمس، تستحق أن نحبها اليوم.

والأهرام التي نحبها اليوم، تستحق أن نتركها أجمل لمن سيأتي غدا.

وحين يأتي ذلك الغد…
ويجلس صحفي شاب في صالة تحرير جديدة، أمام شاشة مضيئة بدل الورقة، ويكتب أول كلماته، ويتلفت حوله يبحث عن معنى المكان…

أتمنى أن يجد شيئًا مما وجدناه نحن.
أن يجد المهنية.
أن يجد الرحمة.
أن يجد الأخلاق.

أن يجد من يقول له: تمهل… فالحقيقة أهم.

ومن يقول له: حاول مرة أخرى… فالخطأ ليس نهاية الطريق.

ومن يقول له: أحسنت… فالكلمة الطيبة تصنع صحفيًا أفضل.

وحينها فقط سأشعر أن الحكاية لم تنته.

وأن ذلك الشاب الذي دخل الأهرام عام 1990 لم يكن مجرد عابر في تاريخها…

بل كان واحدا من الذين حملوا شعلة صغيرة، ومشوا بها في ممرات الزمن، ثم سلموها لمن بعدهم.

وهكذا تمضي الحياة…
نسلم الضوء إلى الضوء.
والحكاية إلى الحكاية.
والقلم إلى القلم.
والقلب إلى القلب.

أما الأهرام…
فتبقى هناك.
شجرة مصرية عتيقة، لا تخاف خريف السنين؛
كلما سقطت ورقة، أنبتت ورقة.

وكلما غاب جيل، جاء جيل.

وكلما تغيرت وسيلة، بقيت الرسالة.

جذورها في الأمس…
وظلها في اليوم…
وأغصانها في الغد.

الأهرام… حكاية بدأت بالحبر، ولم تنته على الورق.
بل ربما…
كانت أجمل فصولها لم تُكتب بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى