
يعتبر السياسي العراقي المجزرة كعقار خاص بحزب أو جماعة. لا يتضامن الاسلامي مع مجزرة ضد الشيوعي ولا هذا مع القومي ولا قصف اربيل او البصرة كعدوان على العراق.
أسوأ من ذلك وأغرب منه عندما تقصف طائرات منطقة في ضاحية بغداد الجنوبية وتقتل مواطنين، لا يعتبر سكان الضاحية الغربية ذلك عدواناً وطنياً بل يتم تحميل الضحايا مسؤولية القتل. تم تفتيت الهوية الوطنية وإعلاء شأن الهويات الفرعية كمقدمة لمشروع تقسيم يُطبخ على مراحل.
تلاشى مفهوم” الشعب” وحلّ مكانه مفهوم” الحشود”: حشود موالية وحشود رافضة وحشود صامتة وحشود محايدة وكل حشد يعني الولاء” والولاء يعني إنعدام التفكير ” حسب جورج أورويل.
الولاء تسليم العقل للرفيق أو للشيخ أو الجماعة ، علاقة المتبوع بالتابع، أو الشيخ والمريد، بكلمة أدق ذهنية التلقين وعقلية الوصم وخلق ببغاء ملقن في قفص سياسي يتوهم انه حر في التفكير وهو لا يفكر وحر في الاختيار وكل خياراته مقررة مباشرة أم من عقل مصادر.
عندما تتمزق وتتصدع الهوية الوطنية يتمسك الانسان بالهوية الفرعية للطائفة او الحزب او العشيرة وتختفي الروابط القديمة المشتركة وتحل بدلها روابط فرعية وتتراجع الهوية العامة ويضعف الانتماء الوطني وتقوى الانتماءات الفرعية وبدل الاحتفاء بالتقاليد والاعياد الوطنية يجري الاحتفاء بالاعياد الفرعية للمكونات وتظل هذه العاهة تأكل في جسد الدولة والمجتمع في غياب الدولة المدنية الحديثة الحل الوحيد.
لا يشعر هؤلاء ان انتقائية التعاطف شراكة مع الجريمة لأنه تجاهل واحتقار لعذاب الضحايا المختلفين بل البحث عن تبرير للمجزرة والنظر من زاوية الانتماء لا بمنظار العدالة الانسانية . أجيال ملقنة على الانحيازات كالببغاوات
بدل التفكير النقدي المستقل.
التلقين Indoctrination مضاد للعقلانية وانتج معاقين فكرياً وذهنية الوصم التي لا تحتاج الى ثقافة وكفاءة وموهبة بل الى احكام فورية وخفة عقلية وصبينة وغوغأة وسطحية وهذه العقلية تصنع ذهنية اليقين المطلق بحيث أي رأي مخالف يلوح كتهديد من عدو .
عندما يعجز العقل الملقن عن مقارعة الحجة بالحجة، يلجأ إلى وصم الطرف الآخر باتهامات الخيانة، أو الجهل، أو الانحراف لتشويه صورته وتجنب النقاش العقلاني. هو انهيار ثقافة وانهيار لغة وانهيار عقل والغاء المساحات الرمادية لصالح فكرة واحدة ملقنة يرددها ببغاء في قفص حزبي من اليسار او من اليمين بثقة الأحمق، الامر الذي قاد الى الشلل النقدي وغياب صراع الافكار الذي ينتج بالتراكم معرفة جديدة وثقافة مختلفة.
لا يتم التعامل مع الانسان الضحية كإنسان بل يتم تسييسه وعلى ضوء هذا الاختزال يتم التضامن معه أو عكسه بل الشماتة به.
حلّت فكرة الانتماء محل الشرط الانساني. قصف أربيل ينظر اليه كشأن كردي وقصف البصرة وقتل مواطنين يُفسر بناء على أحداث محلية ضد جماعة وليس كعدوان على السيادة وعلى الحياة وهو سلوك لا تمارسه القبائل التي تتضامن مع بعضها.
في كل تقاليد العالم لا اختلاف على الحق في الحياة والهوية الانسانية ليست صفة ايديولوجية أو هوية جغرافية.
الصراعات الدموية منذ منتصف القرن العشرين وما بعدها ولّدت أحقاداً متبادلة وتصفيات متتالية جعلت كل طرف يرى الآخر خصماً يهدد وجوده ولم تتغير هذه العلاقات حتى اليوم وان دخلت في الكتمان والسرية.
كل طرف أو جماعة تحتكر الألم والمعاناة لوحدها كملكية عقارية وتعيش على فكرة المظلومية من خلال طقوس التأبين واحتفالات المذابح كطقس سياسي وتحويل المأساة الى طقس مقدس على حساب المواطنة والحياة.
هناك مجازر كثيرة مرت على العراق منذ القرن الماضي وحتى اليوم،لكننا نرى ان المجزرة تُسجل في دائرة العقاري والملكية كإرث خاص لحزب أو عشيرة أو قومية أو طائفة،
ولا تُسجل في التاريخ الوطني كإثم عام وعار وجريمة وطنية وانسانية يجب
أن تشجب وان تستذكر وان يُحتفل بضحاياها كمواطنين وليسوا من ملكية فريق آخر.
لكن في ثقافة ” الوعي المحارب ” أو العقل الشقي الغارق في الثنائيات المرتجلة ـــــ الوطني واللاوطني، الشريف والمشبوه، المناضل والعميل …الخ ـــ كل شيء يصبح قابلاً للاختلاف حتى على مبدأ الحياة الذي يعلو على كل شيء.
لا أحد مثلا يستذكر ضحايا مجزرة قاعة الخلد في تموز 1979 سوى من كانوا تحت عنوان محدد في الحزب الحاكم، وحتى هؤلاء يختلفون على تلك المجزرة.
بالمقابل لا يحتفل هؤلاء بالمجازر ضد الاحزاب الاسلامية،
وهؤلاء بدورهم لا تعني لهم المجازر المرتكبة ضد الشيوعيين وبالعكس أيضا،
والاحزاب الكردستانية مارست القتل والاغتيال ضد المختلفين معها من داخل التنظيم، ومارست النظم ضدها الارهاب،
لأن الجميع ، من اليسار واليمين، يحمل شهادة من دائرة الاملاك العامة أو العقارات تتضمن الحق في ملكية المجزرة.
وحده من يشجب ووحده من يحتفل بالذكرى لان هؤلاء جزء من شركة وليسوا مواطنين كما ان العدوان على فريق ليس عدوانا على الجميع وهذه واحدة من خواص العقل السياسي الرث.
هذا التقليد العدواني لا يوجد في دول العالم حيث الانصاب واسماء الضحايا على قوائم حجرية في الساحات العامة واللوحات الجدارية كعقاب للقتلة وان ذلك لا يجب ان يتكرر بصرف النظر عن هوية الضحايا لان هؤلاء الضحايا اكتسبوا بعد الموت هوية انسانية خارج أي تصنيف: هوية التضحية وثمن الخيانة.
أي اننا نختلف حتى على قدسية الدم البشري وعلى الحق في الحياة وليس فقط على الافكار والعقائد والنظريات،
كما لو ان هذه المجازر تقع في دول متحاربة أو مقاطعات متعادية وليست في وطن واحد.
النتيجة أن الجميع دفع وسيدفع ثمن الصمت والشماتة وهم شركاء الجريمة،
ويؤكلون يوم أُكل الثور الأسود لان الصمت على جريمة تبرير لها ولا جريمة بلا تبرير وكما قال البير كامو:
” لسنَا ننشد عالما لا يُقتل فيه أحد بل عالماً لا يمكن فيهِ تبرير القتل”.
هذا هو السبب الوحيد خلف جواب الدكتاتور عندما سأله أحد الذين التقوه بعد القبض عليه مباشرة للتعرف عليه ، عندما ساله احدهم:
” لماذا قتلت رفاقك في قاعة الخلد 1979؟”،
وكان جوابه” انت شعليك. هذوله بعثيين”.
اي انه يتحدث كصاحب عقار أو حقل دواجن يتصرف بملكية شخصية وليس عن مجزرة وطنية فسحت الطريق واسعا لاستفراد أهوج ترك بصماته على التاريخ العام.
عندما يصمت طرف عن ذكرى مجزرة بحق طرف آخر، فهذا الصمت ليس بريئاً، إنه أحد أمرين:1 شماتة. 2 موافقة على المجزرة،
لأن الصمت أمام القتل الجماعي هو” مفهوم سلطوي” وهو لغة، وفي التحليل النفسي هو فرح صامت، لكنه فرح وحشي لأن طبيعة الفرح مرتبطة بأسبابه،
وفرح المقاول والحرامي بالغنيمة ليس هو نفسه فرح الفقير أو السوي بهدية أو مناسبة نظيفة.
مرة طلبت من صديق شيوعي الذهاب الى جلسة تأبين ضحايا حزب اسلامي لكنه قال لي :
” وماذا سيقول الرفاق لو شاهدوني في حفل التأبين؟”. أي أنه يخشى أن يُضبط متلبساً بجريمة التضامن مع عدو.
في علم الخطاب هناك ما يعرف بالحق بالامتياز، اي ان الكاهن وحده يملك الحق في الكلام عن المسيح أفضل من الشيوعي،
لكن الشيوعي يملك الحق في الخطاب عن الطبقة والتاريخ والاشتراكية أفضل من المستقل، بل هو أهم منه وأكثر وطنية كما لو ان الوطنية توزن بميزان بقال وليست موقفا من الحرية والعدالة والجريمة.
القومي يملك خطاب الأمة والعرق وأما المختلف خارج هذه القبائل السياسية فهو ليس من أهل مكة ولا يعرف شعابها وعليه الصمت لأن نظام المقاطعات السياسية لا يسمح بالتدخل.
هذا” الحق في الامتياز” ليس مصدره الولاء للحقيقة كما يحاول أن يتمظهر،
بل مصدره سلطة كبيرة أو صغيرة، سلطة حزب أو جماعة، ونظرة ضيقة وفهم تبسيطي للصراع .
اذا لم تستطع التعبير عن المناسبة ـــــ المجزرة، مثلا ـــــ بالشجب لكي لا تتكرر، فأنت تعبر عنها بالصمت كنوع من القبول.
الجانب المخفي والصامت عن مواسم التأبين والمجازر هو الجانب الأكثر خطراً لأنه اشارة واضحة عن مفهومين مختلفين للمجزرة، اي أنه شرعنة للقتل بالصمت والتغليس. مناسبات قتل الشيوعيين لا يشارك فيها القومي والاسلامي وبالعكس ايضا.
كيف يمكن بناء أهم عنصرين في بناء الأوطان، الذاكرة الوطنية والهوية الوطنية،
بعقل الغائي اختزالي متخلف يحتفل بمجزرة ذات ” ملكية عقارية” حزبية أو طائفية أو عرقية، ويصمت عن مجزرة أخرى،
مع ان القاتل نفسه في الحالتين، والضحية واحدة في الحالتين،
والمعركة نفسها، معركة غياب العدالة والحرية
والوطن نفسه؟.
والنتيجة؟ ثمن اليوم الذي دفعه الجميع ولو استمر هذا التقليد المتخلف فلن تتوقف المجازر.
في حالات كثيرة يصنع التاريخ نهايات مأساوية شكسبيرية لهؤلاء جميعا عندما تستولي على السلطة عصابة مسلحة بعنوان سياسي انيق وتقع رؤوس هؤلاء تحت المقصلة ويدفعون الثمن والنتيحة مذبحة فورية او بالتقسيط المريح لكي تبني جهازها الامني وجيشها ” العقائدي” وشرطتها السرية وتسن القوانين وتتحول رؤوس الجميع الى مشروع قطاف ومنافض سجائر.
كيف نطالب بالحق في الحرية والحياة، وفي الوقت نفسه نغلس ونصمت عن حرمان المختلف عنا منها مع انه ضحية للسبب نفسه: العدالة والحرية ووطن أفضل؟
قد يمر وقت طويل قبل أن نكتشف معنا نازيين وساديين وقتلة وجلادين مؤجلين، يهتفون بإسم الحرية، وربما هناك من اكتشف ذلك. بتعبير جيفارا:
” كلهم كاذبون يا رفيقي ؛
لا المطرب العاطفي عاشق و لا المذيع المتحمس يحب وطنه ، و لا رجل الدين يعرف الله”.
في رواية أرنست همنغواي” لمن تقرع الأجراس؟” يسأل المتطوع الأمريكي روبرت جاردن في الحرب الأهلية الإسبانية منتصف ثلاثينات القرن الماضي رفيقه ودليله المحارب الاسباني بريمتيفو:
” أليس في بلدكم الكثير من الفاشيين؟”
” لا شك في أن عندنا الكثير الذين لا يعرفون إنهم فاشيون، لكنهم سيعرفون ذلك حتماً في الوقت المناسب”.
لقد مرت في بلدنا العراق الكثير من الأوقات ولم يعرف الفاشيون أنفسهم في الوقت المناسب رغم كل المذابح التي تلوح كغيوم تنزلق فوق مقبرة. عرض أقل