رؤي ومقالات

أحمد الكناني يكتب :حادث ميناء دمياط وأزمة الإعلام في مصر

كشف حادث الهجوم على ميناء دمياط أن الشعب المصري يعيش “غربة إعلامية” داخل وطنه، ليس فقط لأن الاعلام المصري، الخاضع كلية للسلطة، عجز عن التعامل السريع والفعال مع هذا الهجوم الخطير، طوال أكثر من 12 ساعة، وهي مدة ليست قصيرة، عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، وإنما لأن الدولة نفسها التزمت الصمت والغموض، ولم تبادر بممارسة دورها الدستوري في تبصير المصريين بحقيقة ماحدث، فعجز الإعلام بدوره عن القيام بواجبه.
هذه الحالة تسببت في ارتباك شعبي عام حول تفسير ما جرى، على ضوء ماشاع، بين حدوث حريق طاريء بحسب ما أعلنته وزارة البترول والثروة المعدنية، وبين حدوث هجوم بطائرة مسيرة، كما راج في الاعلام الخارجي بأكمله. فالحدث جلل يتصل بالأمن القومي، ولم تتوافر بشأنه معلومات رسمية حقيقية تساعد الإعلام على القيام بواجبه.
المفارقة هذه المرة أن قضية الهجوم على ميناء دمياط، ليست كغيرها من القضايا الروتينية اليومية، التي إعتاد الاعلام التعامل معها طوال السنوات الماضية، مثل: أسعار البصل والطماطم والليمون والكوسة والبطيخ، ومثل ارتفاع وانخفاض الدولار والذهب، ومثل طلاق أو زواج فلان من فلانة، أو انتقال اللاعب “س” إلى النادي “ص”. فهذه النوعية من الأخبار ولادات حمقاء للنهج السلطوي المفروض على الإعلام.
ان مؤسسات الحكم، وفق المنظومة التي فرضتها على الإعلام منذ سنوات، هي المسؤول الحقيقي والمباشر عن حالة “الغربة الإعلامية”، التي عاشها المصريون، طوال ساعات الصمت والغموض الحكومي في حادث الهجوم على ميناء دمياط.
ان هذه المؤسسات هي التي توجه الاعلام، وهي التي تفرض عليه مسارات محددة، وهي التي تفرض الوجوه التي تطل على المصريين من الشاشات، وهي أيضا من يمتلك جحافل كاسحة من الكتائب الإلكترونية، التي تحصر جهدها في سب وشتم من ينتقد سياسات الحكم.
للأسف ان حادث ميناء دمياط كشف أن الدولة صمتت عن تقديم تفسير دقيق للحادث منذ حوالي الساعة السابعة والنصف مساء الأربعاء، وحتى حوالي الساعة العاشرة صباح الخميس، وهي المسافة الزمنية بين أول خبر بثته وكالة “رويترز”، وبين أول توضيح رسمي حقيقي أصدره مجلس الوزراء، وهو ماكشف عن عجز واضح في إدارة الأزمة، وهذا أمر خطير بمعايير التعامل مع قضايا الأمن القومي.
إن المؤسسات التي اعتادت أن تعد على المصريين أنفاسهم لحظة بلحظة، وتتعمد قهرهم اقتصاديا وسياسيا، تصرفت مثل شخص تائه في صحراء شاسعة، على الرغم من أن العالم كله كان يتحدث عما جرى في دمياط.
الأمر المزعج في غياب وعجز الدولة عن القيام بدورها السياسي والإعلامي تجاه ماحدث في دمياط، كسر حاجز الضمير الوطني لدى كثيرين، فدفع بهم نحو أخبار وتحليلات بعض المواقع والفضائيات الخارجية بحثا عما يروي الظمأ، ويبرد الحيرة، طلبا للطمأنينة. وكثير من الاعلام الخارجي لا يصب غالبا في صالح الدولة المصرية، بل يقوي الشك، ويفقد الثقة أحيانا في أمور كثيرة.
ان المؤسسات المسؤولة في الدولة ارتكبت خطأ جسيما في حق الشعب والوطن عندما مارست الصمت والغموض الاعلامي لأكثر 12ساعة. وهذا زمن طويل جدا في قضايا الأمن القومي، فنحن من كان ومازال يتفاخر بأننا عبرنا قناة السويس، وهزمنا إسرائيل في 6 ساعات، خلال حرب أكتوبر 1973.
لقد حان الوقت لإجراء اصلاحات جذرية وحقيقية في المنظومة السياسية والإعلامية المصرية، بدءا من الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين، وبناء حياة حزبية حقيقية، وتفعيل دور مجلسي النواب والشيوخ لصالح الشعب والدولة، ورفع القيود عن ملكية الصحف والفضائيات، وإطلاق الحريات العامة، وحماية حق التعبير وفق مانص عليه الدستور، بمايسمح بإعادة إطلاق قدرات المارد الإعلامي المصري ليكون حاضرا بالصوت الصورة، مقنعا ومؤثرا، في الداخل والخارج.
ان دور الإعلام المصري، من زاوية ماحدث في ميناء دمياط وعلاقته بالأمن القومي، لايقل أبدا بأي حال من الأحوال في أهميته ودوره عن دور السلطات الدستورية الثلاث، فمن حقه أن يكون فعلا سلطة رابعة، يمارس دوره ومهامه في خدمة الشعب والوطن.
للأسف إن حالة “الخواء الإعلامي”، التي تعيشها مصر باعدت طوال السنوات الماضية، مع أسباب أخرى، بين الشعب ومؤسسات الدولة، ولم يعد من الصالح العام السماح باستمرار هذه الحالة مستقبلا، فهذا الخواء، في حال استمراره، يهدد بالكثير، في ظل الفوضى التي تجتاح الإقليم والعالم.
إن أزمة الاعلام في مصر هي من صنع المؤسسات الحاكمة، واستمرارها ليس في مصلحة هذه المؤسسات، وعلى الجميع الاستفادة من حادث الهجوم على ميناء دمياط لصناعة منظومة سياسية و إعلامية جديدة. أما استمرار الوضع الحالي فسوف يقود إلى ماهو أشد وطأة.
ان مصر تستحق الأفضل دوما، وشعب مصر يستحق أن يكون لديه إعلام حقيقي قادر على التعامل مع كل الأحداث والمتغيرات بفعالية، وإلا فسوف نترحم ذات يوم على مافرطنا، وما نفرط فيه الآن، من مصادر قوة مازالت متاحة لدينا يمكن تطويرها إلى الأفضل.
ان إضعاف الإعلام يضعف الثقة كل يوم بين الشعب ومؤسسات الدولة، ويزيد من توتر العلاقة بين الطرفين، إلى حدود خطيرة.
وهذا يتطلب من مؤسسات الحكم فتح الجسور، وإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمؤسسات الاعلامية، بشكل جدي وإرادة حقيقية صادقة،
وفي المقدمة نقابة الصحفيين، ليس من باب الاستقواء، كما حدث عندما تم اقتحام النقابة في مايو 2016، وإنما من باب المصلحة الوطنية المشتركة، والتكامل بين المؤسسات الحكومية والشعبية، القائم على احترام الدستور والقانون.
لنكن صرحاء بأن مصر خسرت جانبا ليس هينا من الحرب الإعلامية، التي فرضت عليها، خلال التحديات التي صاحبت بعض محطات “طوفان الأقصى”، وخاصة فيما أثير من مزاعم حول إغلاق معبر رفح، فتعمدت أطراف كثيرة استغلال ذلك عن قصد وسوء طوية، وقامت بمهاجمة السفارات المصرية في بعض العواصم الأوروبية، وفي المقدمة التحالف الذي ضم تنظيم الاخوان وأجهزة إسرائيلية وأمريكية وبريطانية.
واليوم، وكما أثبتت التطورات في حادث ميناء دمياط، أن الخسارة الإعلامية تكررت، مع العلم أن القادم أخطر…وأخطر…وأخطر، فقواعد اللعب في الإقليم والعالم تتغير وتهدد المنطقة بأسرها. ولن تستطيع أي مؤسسة، مهما كانت قوتها، أن تتعامل منفردة مع التحديات القادمة، دون ظهير شعبي واع بكل مايحدث حوله.
إن ماكان ممكنا بالأمس، لم يعد مفيدا اليوم، وقد يكون كارثيا غدا، إن لم تتم إعادة النظر في كثير من السياسات المتبعة حاليا، والتي ثبت فشلها أمس واليوم…..فماذا عن الغد؟ عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى