غير مصنفكتاب وشعراء

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله في نص” أحس بالثراء” للشاعر محمد مجيد حسين

شعرية الذاكرة وبناء الهوية في قصيدة “أحسُّ بالثراء” لمحمد مجيد حسين …من إنجاز فاطمة عبدالله…

تنهض قصيدة “أحسُّ بالثراء” للشاعر محمد مجيد حسين على شعرية الذاكرة بوصفها بنية جمالية تعيد تشكيل الهوية عبر استدعاء المكان والأم والطفولة، بحيث لا تستعيد الماضي باعتباره زمناً منقضياً و إنما تعيد إنتاجه بوصفه حضوراً وجودياً متجدداً. ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه القراءة من مقاربة تأويلية تستأنس بما يطرحه غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان، حيث يغدو المكان الحميم فضاء تتشكل فيه الذاكرة و الكينونة، كما تستأنس بتصور بول ريكور للذاكرة، إذ يرى أن الذاكرة ليست استعادة آلية للماضي، بل فعل يعيد بناء الهوية عبر السرد والتذكر. ومن ثم، فإن استحضار الأم والمكان في هذه القصيدة لا يمثل حنيناً عاطفياً فحسب، بل يشكل بناءً شعرياً للذات وهي تستعيد جذورها الوجودية.

منذ المطلع، يفتتح الشاعر نصه بصورة مكثفة تجمع بين الجغرافيا والوجدان:
“أحسُّ بالثراءِ
شموخُ شجرةِ البلوطِ
في شمالِ دمي..
عذوبةُ الماءِ
في نهري الزاب..”
فلا يعود “شمال دمي” أو “الزاب” مجرد إحالتين مكانيتين، بل يتحولان إلى رمزين للهوية الأولى، حيث يذوب المكان في الجسد ويغدو الانتماء مجرى داخلياً يسري في الدم. وهنا يغادر النص الوصف الخارجي ليدخل فضاء الرمز، فتتجاوز الجغرافيا حدودها الواقعية لتغدو استعارة للذات ولذاكرة جماعية تنبع من تجربة شخصية صادقة.
ويتعزز هذا الاندماج بين المكان والأم في قوله:
“أمي.. أشتاقُ
لرائحةِ الخبزِ من يديكِ،
وحليبِ أغنامِ أبي..”
إذ تتحول الأم إلى مركز تستقطب حوله عناصر الذاكرة جميعها ( فالخبز، والحليب، والأب، والمكان) ليست صوراً متجاورة، بل مكونات لهوية واحدة. ومن ثم، لا يبدو الحنين هنا شوقاً عاطفياً فحسب، بل استعادة لجوهر الانتماء، حيث تصبح الأم معادلاً رمزياً للوطن ويغدو الوطن امتداداً لدفء الأمومة.
وتبلغ شعرية الذاكرة ذروتها في المقطع الذي يستحضر فيه الشاعر المقبرة:
“واسألوا شرمولا؛
هل عرفتْ مَن يُناظرني
في المكوثِ بجوارِ موتاهم
مع تعاقبِ الفصول؟”
فلا تعود “شرمولا” اسماً لمقبرة بعينها، بل تتحول إلى فضاء رمزي تتجسد فيه استمرارية العلاقة بين الأحياء والراحلين. إن المكوث عند القبر مع تعاقب الفصول يحرر فعل الزيارة من زمنه المناسباتي ليمنحه بعداً وجودياً يجعل الوفاء ممارسة يومية تقاوم النسيان وتنتصر لاستمرار الذاكرة في مواجهة الفناء.
وتتجلى قوة القصيدة كذلك في اقتصادها اللغوي وكثافة صورها، إذ يعتمد الشاعر لغة مقتصدة ، لكنها قادرة على إنتاج دلالات واسعة. فلا يلجأ إلى الزخرفة البلاغية، بل يترك للصورة الشعرية أن تؤدي وظيفتها التأويلية بأقل قدر من الألفاظ وأكثرها تأثيراً وهو ما يمنح النص طاقة إيحائية تتجاوز المباشرة و الخطابية…
وتتجسد هذه الكثافة الدلالية في المفارقة البليغة التي يعقدها الشاعر بين وفائه لأمه ووفاء العالم لنيلسون مانديلا، حين يقول:
“أنا نبعُ الوفاءِ الأوحدُ؛
فمع كل قبلةٍ
أطبعها على تراب ضريح أمي
أحسُّ بالثراءِ…
يفوق أحاسيسَ
أوفياءِ أفريقيا مجتمعين
على ضريح مانديلا.”
ولا تقوم هذه المقارنة على المبالغة البلاغية أو ادعاء التفوق وإنما تؤسس لمعادلة رمزية عميقة، مفادها أن صدق التجربة الفردية قد يضاهي في قيمته الوجدانية أكثر الرموز الإنسانية حضوراً في الذاكرة الجمعية. فمانديلا هنا لا يستدعى بوصفه شخصية تاريخية و إنما بوصفه رمزاً عالمياً للوفاء والحرية ليؤكد الشاعر أن الوفاء الحقيقي يبدأ من الدائرة الأكثر حميمية: الأم…
ويختتم النص بقوله:
“بدموعي وقبلاتي
بنيتُ على قبر أمي
مقاماً يضاهي
عجائب الدنيا… بصدقه.”
وهنا يبلغ الرمز ذروته فالمقام ليس بناءً مادياً و إنما بناء وجداني شيد من الدموع والقبلات أي من الصدق الإنساني الخالص. وبذلك تتحول صورة القبر من علامة على الغياب إلى فضاء لإعادة بناء الذات ومن نهاية بيولوجية إلى بداية لمعنى يتجدد كلما استحضرت الذاكرة…
إن ما يميز هذه القصيدة أنها تنقل الرثاء من دائرة البكاء على الفقد إلى أفق الانتماء والهوية ، فالأم ليست موضوعاً للرثاء بقدر ما هي أصل المعنى والمكان ليس إطاراً جغرافياً، بل وعاء للذاكرة والوفاء ليس انفعالاً عاطفياً عابراً و إنما موقف وجودي يعيد الإنسان إلى جذوره…
وبهذا ينجح الشاعر محمد مجيد حسين في تشييد نص شعري تتآلف فيه الذاكرة والمكان والأم في بنية رمزية واحدة تتجاوز خصوصية التجربة الذاتية لتلامس الوجدان الإنساني العام وتمنح القصيدة طاقة تأويلية وجمالية تجعلها تنفتح على قراءات متعددة، وهو ما يعد أحد أبرز مؤشرات نضجها الفني وثرائها الدلالي…

المراجع:
باشلار، غاستون.” جماليات المكان”

ريكور، بول. ” الذاكرة، التاريخ، النسيان ”

النص:

أحسُّ بالثراءِ
شموخُ شجرةِ البلوطِ
في “شمالِ دمي”..
عذوبةُ الماءِ
في نهري “الزابِ”..
أمي.. أشتاقُ
لرائحةِ الخبزِ من يديكِ،
وحليبِ أغنامِ أبي..
و..
اسألوا المُشيعينَ
عن “رابيةِ الملوحةِ” في عيني،
واسألوا “شرمولا”؛
هل عرفتْ مَن يُناظرني
في المكوثِ بجوارِ موتاهمْ
مع تعاقبِ الفصولِ؟
واسألوا حراسَ المقابرِ
في القاراتِ الخمسِ..
أنا نبعُ الوفاءِ الأوحدُ؛
فمعَ كلِّ قُبلةٍ
أطبعُها على ترابِ ضريحِ أمي،
أحسُّ بالثراءِ..
يفوقُ أحاسيسَ
أوفياءِ أفريقيا مجتمعينَ
على ضريحِ “مانديلا”..
بدموعي وقُبلاتي
بنيتُ على قبرِ أمي
مقاماً يُضاهي
عجائبَ الدنيا.. بِصِدقِهِ.
محمد مجيد حسين

ملاحظة:
شمال دمي: أعني شمال كردستان
شرمولا اسم المقبرة الأساسية في عامودا
نهرا الزاب هما: الزاب الكبير والزاب الصغير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى