مكاشفة الرجل الذي اتسعت له الجهات.. حامد الضبياني.. سيرة إنسان صنع من الكلمة أقاليمه المفتوحة.. هاتف الثلج

أستطيع القول إن بعض السير تُكتب لتؤرِّخ حياة أصحابها، وأخرى تُكتب لتفسِّر ما عجزت السنوات عن قوله. أما سيرة حامد الضبياني، فإنها تنتمي إلى ذلك النوع الذي لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يضع الإنسان أمام مرآة تجربته الطويلة؛ إذ تبدو الحياة فيها أشبه بنهر تتجاور في ضفافه الثقافة والإبداع والاغتراب والكفاح، فلا يمكن قراءة أحدها بمعزل عن الآخر. فثمة شخصيات تمضي في الحياة بخط مستقيم، وثمة شخصيات تتسع دوائرها حتى يصعب حصرها في تعريف واحد، وحامد الضبياني من هذا الطراز الأخير؛ شاعر وإعلامي وكاتب وصحفي ومؤسس لمشروعات ثقافية عابرة للحدود، لكنه قبل ذلك كله إنسان حمل بيئته الأولى في قلبه ومضى بها إلى العالم.لم يولد في بيت ترف ولا في ظلال امتيازات مبكرة، بل ولد عام 1968 في بيت ريفي صغير بمنطقة تل الأسمر في بزايز خريسان، وهناك بدأت الحكاية الأولى. فالبيوت الريفية لا تمنح أبناءها المال بقدر ما تمنحهم الذاكرة، والذاكرة كانت معلمه الأول. في مضيف جده ووالده عبد محمد تعلّم الإصغاء إلى الأدب قبل أن يقرأه، ومن حكايات جدته استعار خياله الأول، ومن طين الأرض التي احتضنت حضارة أشنونا اكتشف أن الإنسان لا يصنعه المكان وحده، بل تصنعه أيضاً قدرته على الإنصات لما يقوله المكان عن نفسه.لهذا لم تكن الثقافة بالنسبة إليه مهنة طارئة، بل امتداداً لسؤال قديم بدأ مع طفل كان يصغي إلى الحكايات قبل أن يكتبها. ولم يكن دخوله المعهد التقني بعد المرحلة الإعدادية سوى محطة من محطات البحث عن الذات، لكنها توقفت مبكراً مع خيبة جيل كامل اصطدم بضيق الفرص واتساع الأحلام، لتتجه بوصلته نحو ما كان أكثر رسوخاً في روحه؛ الأدب والفن والكلمة.كانت البدايات الأولى هاوية للفن، ثم أخذت ملامحها تتشكل مع رفقة من شعراء الشباب الذين حملوا معهم أحلام الثمانينات وأسئلتها.
انتمى إلى فرقة أضواء شباب بعقوبة للمخرج الدكتور إبراهيم النعمة، وعانق المسرح زمناً قصيراً، قبل أن يجد ضالته الأكثر اتساعاً في الشعر. وفي جمعية الشعراء الشعبيين بمحافظة ديالى بدأت الرحلة الفعلية، وهناك لم يكن يكتشف الشعر فحسب، بل كان يكتشف نفسه أيضاً. وتتلمذ على يد الكاتب والإذاعي الكبير الأستاذ سعدون شفيق سعيد الذي ظل يعدّه أباً روحياً له، كما كان للشاعر والكاتب محمود معود الغزي فضل أخذه إلى فضاء ثقافي رحب التقى فيه بنخبة من الشعراء والإعلاميين، وفي مقدمتهم الشاعر الكبير ياسين آل ياس الذي أسهم في صقل تجربته الإبداعية المبكرة.ومنذ عام 1984 جاء اسمه مع أسماء شعرية شابة تركت أثرها في المشهد الأدبي، ليبدأ مساراً لم يكن الشعر فيه سوى نافذة واحدة من نوافذه الكثيرة. فثمة شخصيات تتخصص في مجال واحد، وأخرى تتعدد اتجاهاتها حتى يصبح الإبداع فيها أشبه بدائرة تتشعب منها دوائر أصغر؛ كل دائرة منها تحمل وجهاً من وجوه صاحبها. وهكذا تشكلت شخصية حامد الضبياني بوصفها شخصية متعددة الاتجاهات، فلم يكن الإعلام منفصلاً عن الأدب، ولا الصحافة بعيدة عن الشعر، ولا العمل الثقافي أقل حضوراً من الكتابة.شغل مواقع ثقافية وإعلامية عربية ودولية عديدة، فكان رئيساً لرابطة المبدعين العرب في العراق، ونائباً للهيئة العالمية للمبدعين، وسفيراً للمبدعين العرب للأدب والثقافة والإعلام، وعضواً مؤسساً في اتحاد الصحفيين والإعلاميين العراقيين وتجمع الإعلاميين والصحفيين العراقيين، كما كان عضواً في نقابة الفنانين العراقيين واتحاد المسرحيين العراقيين، وعمل مديراً للبث في إذاعة القرآن الكريم. وأسس وكالة بلالاما الدولية الإخبارية للثقافة والفنون، ثم وكالة أدد الإخبارية الدولية للثقافة والفنون التي ما يزال مديراً لها، وأسس مجلة صدى الثقافة التي تحولت إلى مشروع ثقافي عالمي، ومجلة جسور الأدب في إيطاليا، وترأس تحرير جريدة أوراق ثقافية، واضعاً الثقافة في قلب مشروعه الإنساني والإبداعي.ولأن الكلمة التي لا تغادر حدود صاحبها تبقى ناقصة، فقد امتدت كتاباته إلى الصحف العراقية والعربية والعالمية، وكتب المئات من المقالات والقصائد التي تنوعت موضوعاتها الأدبية والسياسية والفنية والإنسانية، وعمل في مؤسسات إعلامية متعددة، وشارك في فضاءات ثقافية عربية وعالمية مختلفة، كما كتب في مواقع ومنصات ثقافية دولية، لتصبح تجربته واحدة من التجارب التي يصعب اختصارها في تعريف واحد.
وقد حظيت تجربته الأدبية والإعلامية بالعديد من الجوائز والأوسمة العربية والدولية، فنال الوسام الذهبي في المغرب، وتاج التراث الذهبي بوصفه واحداً من أفضل عشرين صحفياً دولياً في قارة آسيا، فضلاً عن عشرات شهادات الدكتوراه الفخرية والشهادات التقديرية والألقاب الأدبية والثقافية. ومن بين الألقاب التي مُنحت له شاعر الحب والسلام، وراهب الحب، وأرض الحب، وملك الكلمة الإعلامية، وهي ألقاب لا تكشف عن حجم المنجز بقدر ما تشير إلى طبيعة حضوره في المشهد الثقافي.أما نتاجه الإبداعي فقد تنوع بين دواوين مطبوعة منها (هل أنا عراقي حقًا؟) التي صدرت عن دار طبع الأستاذ هاتف الثلج وأخرى تنتظر الطبع، منها “يا صاحبة الجلالة”، و”صرخة حب”، و”أرض الحب”، و”جرح شامخ”، فضلاً عن أعمال أخرى تنتظر خروجها إلى القراء. كما تناولت تجربته مؤلفات نقدية وثقافية وثقت لحضوره في المشهد العراقي والعربي، وشارك في رئاسة اللجان الإعلامية لمهرجانات دولية عديدة في أفريقيا وآسيا والعالم العربي.
غير أن ما يميز هذه السيرة ليس كثرة المناصب أو الألقاب أو الجوائز، فهذه جميعاً محطات قابلة للإضافة والنقصان، وإنما ما يميزها هو ذلك الخيط الخفي الذي يصل الطفل الذي أصغى إلى حكايات جدته بالرجل الذي حمل حروفه إلى فضاءات العالم. فالسيرة الحقيقية لا تقاس بما امتلكه الإنسان من ألقاب، بل بما تركه من أثر، ولا بما وصل إليه، بل بما ظل يبحث عنه حتى آخر الطريق.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة أنها لا تقدم إنساناً اكتمل، بل إنساناً ظل يرى في المعرفة رحلة لا تصل إلى نهايتها. إنها سيرة شخصية متعددة الاتجاهات، لكنها تتجه دائماً نحو الإنسان والكلمة والجمال؛ فمن بيت ريفي صغير خرجت الحكاية، وما تزال تكتب فصولها حتى اليوم.