كتاب وشعراء

الهوية بين حقّ الوجود وفتنة الإلغاء:. بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الهوية الثقافية قناعًا نرتديه عند الحاجة، ولا شعارًا يُرفع في مواسم الصراع، بل هي الذاكرة الحيّة التي تتكلّم فينا قبل أن نتكلّم عنها. هي ذلك النسيج غير المرئي الذي يربط اللغة بالخيال، والعادة بالقيمة، والتاريخ بالوجدان. ومن ثمّ فإن الحقّ في الهوية ليس امتيازًا تمنحه السلطة، ولا مِنّة تهبها الأكثرية، بل هو حقّ أنطولوجي، لصيق بالكينونة ذاتها: أن تكون يعني أن يكون لك وجهك الخاص في مرآة العالم.
الإقرار بالهوية الثقافية ليس فعل تسامح، بل فعل عدالة. لأن التسامح يفترض تفوّقًا خفيًّا، بينما الاعتراف يفترض مساواة جذرية في الوجود. فكل ثقافة، صغيرة كانت أم كبيرة، قديمة أم فتية، هي محاولة إنسانية لقول المعنى، لتفسير الوجود، ولتدبير العيش في هذا العالم القاسي والغامض. وكل محاولة لطمس ثقافة إنما هي محاولة لطمس زاوية من زوايا الحقيقة.
الهوية، في جوهرها، ليست جدارًا بل أفق. ليست انغلاقًا بل طريقة خاصة في الانفتاح. هي أن تدخل العالم من بابك أنت، لا من باب غيرك. لذلك فإن الدفاع عن الهوية لا يعني الانسحاب من الإنسانية، بل يعني الإسهام فيها بصوت مختلف، بنبرة أخرى، بإيقاع لا يشبه الإيقاعات السائدة.
إن الفسيفساء الثقافية ليست زينة للمجتمعات، بل شرط حياتها. فكما لا تقوم الطبيعة على لون واحد، ولا الموسيقى على نغمة واحدة، لا تقوم الإنسانية على ثقافة واحدة. التنوع ليس استثناءً في التاريخ، بل هو قاعدته الخفية. وكل مشروع يسعى إلى توحيد البشر على نموذج واحد، إنما يسعى – من حيث يدري أو لا يدري – إلى قتل الروح في الإنسان، لأن الروح لا تعيش إلا في الاختلاف.
في مقابل هذا الأفق الرحب، يقف الفكر اليقيني المطلق بوصفه مرضًا ميتافيزيقيًا وأخلاقيًا في آن. هو فكر يعتقد أنه يملك الحقيقة كاملة، ولذلك لا يرى في الآخر شريكًا في المعنى، بل خطأً يجب تصحيحه، أو عائقًا يجب إزالته، أو مادة يجب تدجينها. اليقين المطلق لا يحاور، بل يقرّر. لا يفهم، بل يُدين. لا يعترف، بل يُقصي.
وحين يتحوّل هذا الفكر إلى سلطة، يبدأ مشروع الإلغاء الكبير: إلغاء اللغات، إلغاء الذاكرات، إلغاء الطقوس، إلغاء الأسئلة. عندها لا تُمحى الثقافات دفعة واحدة، بل تُسحق ببطء، كما تسحق كرة الثلج كل ما يعترض طريقها وهي تهوي من قمة جبل أعمى. يبدأ الأمر بإعادة كتابة التاريخ، ثم بإعادة تعريف الهوية، ثم بإعادة تشكيل الإنسان نفسه على مقاس النموذج الواحد.
لكن الهوية الحقيقية لا تُقتل بسهولة. قد تُقمع، قد تُشوَّه، قد تُدفع إلى الهامش، لكنها تظلّ كامنة في اللغة التي تهمس، وفي الأغنية التي تُغنّى سرًّا، وفي الحكاية التي تُروى للأطفال قبل النوم، وفي العادة التي تصمد رغم السخرية والمنع. الهوية ليست وثيقة رسمية، بل ذاكرة عنيدة.
إن الإقرار بالهوية الثقافية لا يعني تقديسها أو تجميدها، فالهوية التي لا تتغير تموت. لكنها تتغير من داخلها، لا بقرار فوقي، ولا بضغط إقصائي. تتطور لأنها تحاور العالم، لا لأنها تُستنسخ منه. كل ثقافة حيّة هي حوار دائم بين ما كانت وما يمكن أن تكون.
أما الإقصاء، فهو شكل من أشكال الخوف: الخوف من التعدد، الخوف من الاختلاف، الخوف من أن يكون للآخر معنى لا يشبه معناي. ولذلك فإن الدفاع عن التعددية ليس مجرد موقف ثقافي، بل موقف أخلاقي، يختبر قدرتنا على الاعتراف بالآخر لا بوصفه نسخة ناقصة منّا، بل بوصفه إمكانًا آخر للإنسان.
في النهاية، ليست المعركة بين ثقافة وثقافة، بل بين من يؤمن بأن الحقيقة واسعة بما يكفي للجميع، ومن يظنّها ضيّقة لا تتسع إلا لصورته وحده. الأول يبني عالمًا يمكن أن يسكنه المختلفون، والثاني يبني سجنًا كبيرًا، حتى لو زيّنه بالشعارات.
الهوية، حين تُعاش باعتبارها حقًا في الوجود لا ذريعة للإلغاء، تتحول من أداة صراع إلى جسر معنى، ومن علامة انقسام إلى وعد إنساني: أن نكون كثيرين في الشكل، واحدًا في الكرامة، متعدّدين في الطرق، مشتركين في الحق في أن نكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى