خناجر في ظهر الأمة
كيف سقطت دول، وضاعت مدن، وانكسرت جيوش… لا بسيوف الأعداء بل بخيانة الأقربين
عبر التاريخ الإسلامي، لم تكن الكوارث الكبرى دائمًا نتيجة تفوق العدو أو ضعف الجيوش، بل كثيرًا ما جاءت الضربة القاتلة من الداخل.
رجال عاشوا بين المسلمين، تكلّموا بلسانهم، ورفعوا شعاراتهم، لكنهم حين جاءت اللحظة الفاصلة، اختاروا العدو، وفتحوا له الأبواب، أو أشعلوا الفتن التي أكلت جسد الأمة من الداخل.
هذه ليست حكايات عاطفية، بل وقائع تاريخية تركت آثارًا لا تزال الأمة تدفع ثمنها حتى اليوم.
وهنا قائمة بـ أخطر 13 خائنًا في التاريخ الإسلامي، اكتفيت فيها بالقرون السابقة، متجنبًا العصر الحديث، لأن الجرح القديم هو الذي صنع واقعنا الحالي.
1) عبد الله بن أُبيّ بن سلول
قبل أن تُعرف الخيانة السياسية بمسمياتها الحديثة، كان ابن سلول نموذجها الأول.
رجل عاش داخل دولة النبي ﷺ في المدينة المنورة، لكنه لم يؤمن بها يومًا. تآمر، ونقل الأخبار، وتعاون مع أعداء المسلمين، وكان انسحابه بأتباعه من غزوة أحد طعنة في ظهر الجيش في لحظة مصيرية.
ومع ذلك، لم يُعدم لحكمة نبوية، ليبقى اسمه أول عنوان للنفاق المنظم في تاريخ الأمة.
2) عبد الله بن سبأ
الاسم الذي ارتبط بأكبر سلسلة فتن في التاريخ الإسلامي المبكر.
تنقّل بين اليمن والحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر، لا لينشر علمًا ولا دعوة، بل ليشعل النار بين المسلمين.
كان – بحسب الروايات التاريخية – أحد المحرّضين الأساسيين على الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومقتله كان الشرارة التي فتحت أبواب الدم، وأفشلت محاولات الصلح بين علي وطلحة والزبير، ثم عمّقت الصراع بين علي ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين، لتتحول الدولة من الفتوحات إلى الحروب الداخلية.
3) كسيلة بن ملزم
في لحظة كان فيها الإسلام يقتلع الوجود البيزنطي من شمال إفريقيا، ادّعى كسيلة الإسلام والطاعة للدولة الأموية.
لكن ما إن أتم القائد عقبة بن نافع فتح بلاد المغرب، حتى غدر به كسيلة أثناء خروجه في دورية صغيرة، وأدخل الجيش البيزنطي، فكان اغتيال عقبة وإعادة احتلال المغرب واحدة من أخطر لحظات الردة العسكرية في تاريخ المنطقة.
4) نصّار المردي
مسيحي من قبائل المردة غرب الشام، اعتنق الإسلام، وترقى في الجيش العباسي حتى صار من قادة عمر الأقطع.
وبعد انتصار العباسيين في مرج الأسقف وامتداد نفوذهم داخل الأناضول، خان نصّار قائده في لحظة ضعف، وارتد عن الإسلام، وتواصل مع البيزنطيين، فكان اغتيال عمر الأقطع نهاية مشروع عسكري كان يمكن أن يغيّر خريطة المنطقة.
ولم يكتفِ بالخيانة، بل قاتل بعدها في صفوف العدو حتى قُتل.
5) عبيد الله القدّاح
بينما كانت الجيوش الإسلامية تضغط على أوروبا من الأناضول وجنوب إيطاليا، جاءت الطعنة من الخلف.
استغل عبيد الله القدّاح غياب الجيوش، وقاد تمردًا في إفريقية، فأنقذ الإمبراطورية البيزنطية من السقوط، وأنقذ روما من مصيرٍ كان قريبًا.
أسس لاحقًا الدولة العبيدية عام 910م، الدولة التي يسميها أنصارها بالفاطمية، وكانت فتنة سياسية ومذهبية قلبت موازين الصراع في العالم الإسلامي.
6) الأفضل بن بدر الدين الجمالي
حين كانت الشام بيد السلاجقة والعباسيين، والدولة العبيدية في طريقها للسقوط، اختار الأفضل طريق الخيانة.
راسل الصليبيين ودعاهم لغزو الشام ليكونوا حاجزًا بينه وبين خصومه.
غدر بحلفائه، واستعاد فلسطين، ثم سلّم القدس للفرنجة مقابل الأمان، مكتفيًا بعسقلان، ليكون أحد أهم من فتح الباب للصليبيين في قلب المشرق.
⸻
7) شاور بن مجير السعدي
خلع من حكم مصر، فاستنجد بنور الدين زنكي، وتعهد بالولاء.
دخل شيركوه مصر وأعاده للحكم، لكن شاور خان العهد، واستدعى الصليبيين والبيزنطيين، حتى جعل لهم حاميات على أسوار القاهرة.
بلغ به الغدر حد محاولة تسميم شيركوه وصلاح الدين، فكان قتله نهاية رجل باع بلاده لكل من يدفع.
😎 محمد بن الأحمر
بينما توحد أهل الأندلس خلف محمد بن هود لإيقاف الزحف الإسباني، اختار محمد بن الأحمر طريقًا آخر.
تمرّد، وتحالف مع الإسبان، وشارك في إسقاط قرطبة وإشبيلية، مقابل إمارة صغيرة هي غرناطة.
أسس بذلك دولة بني الأحمر، لكن بثمن كان انهيار مشروع استعادة الأندلس.
9) السلطان الأيوبي الكامل محمد
سلّم القدس عام 1229م للملك الألماني فريدريك الثاني دون قتال، وأشرف على إخلاء المسلمين منها.
لم يكن ذلك حبًا في السلام، بل طمعًا في دعم الفرنجة له ضد أقاربه من الأيوبيين، فكانت القدس ورقة مساومة في صراع عائلي.
10) ابن العلقمي
الاسم الأشهر حين تُذكر الخيانة.
وزير الخليفة المستعصم بالله، راسل المغول، وأرسل لهم خرائط بغداد، وخدَع الخليفة بوعود زائفة عن صلح وزواج سياسي.
خرج الخليفة لمقابلة هولاكو فقتل، وسقطت بغداد، وذُبح مئات الآلاف.
لم يقتله المغول، بل استخدموه، ثم أهانوه، ومات ذليلًا مكسورًا في نفس عام سقوط بغداد.
11) مظفر الدين السلغوري
والي فارس، وخط الدفاع الأول عن العراق.
خان الخليفة، وفتح بلاده للمغول، وأمدهم بالتموين، بل أرسل ابنه بجيش ليشارك في حصار بغداد.
لم يهنأ بخيانته، فمات بعد عام، ولحق به ابنه سريعًا.
12) مراد جيراي
خان في لحظة مفصلية عام 1683م.
فتح الممرات للجيوش الأوروبية أثناء حصار فيينا، ليس حبًا في أوروبا، بل حقدًا على مصطفى باشا.
أنقذ فيينا، وأنقذ أوروبا من السقوط، وكان أول من سعى لاستبدال الشريعة بقوانين غير إسلامية في القرم.
13) يوسف باشا التبليسي
استدرج آخر ملوك جورجيا المسلمين محمد قولي باغراتيوني إلى خيمته، ثم أمر باغتياله غدرًا.
سلّم العرش لتيموراز الثاني، وكان اغتيال الملك عام 1732م نقطة التحول التي أعادت جورجيا إلى المعسكر المسيحي الموالي لروسيا.
الخلاصة
هؤلاء لم يكونوا مجرد أشخاص، بل نقاط انهيار في جسد الأمة.
فالتاريخ لا يسقط دفعة واحدة…
إنه يُطعَن أولًا من الداخل