منازل الامس…..بقلم سونيا بوماد

نادَتْ عليها بلادُها قائلة:
تعالي معي يا طفلتي،
فأنتِ زهرةُ أرضي، ومياهُ ينابيعي، ولحنُ جداولي.
أنتِ، يا أوروبا، ابنةُ رحمي، وجِبلةُ ترابي، ودماءُ شراييني. رسمتُ على وجهكِ ملامحي ووهجَ شمسي،
ومن قمحي أطعمْتُ جسدكِ، ومن ورودي استخلصتُ عطركِ، ومن رحيق أزهاري عصرتُ شرابكِ.
مدَّتِ البلادُ الجديدةُ يدَها إليها.
نظرت في أعماق عينيها، وبلغةٍ آمِرة، وبابتسامةٍ لطيفةٍ واثقة، قالت:
لا… تعالي معي أنا. أنا الغد، أنا مستقبلكِ، وأرضُ أحلامكِ. في ربوعي ستزرعين وتحصدين وتحكمين.
تعالي معي، فالغد لكِ، إذ لا قيود ولا حدود لفكرٍ أو طموح.
تعالي معي، سأكون أمكِ وأباكِ وإخوتكِ،
سأخلّدكِ، سأكتب اسمكِ على الكواكب والمجرّات،
وأرسم نقشَكِ على المعابد، وأجعلكِ رمزًا للحبّ والعظمة والجمال.
وقفت بين النداءين،
قلبُها مشدودٌ إلى رحمٍ يعرفها، وعيناها معلّقتان بأفقٍ يعدها. تأمّلت يديها طويلًا، ثم خطت خطوةً إلى الأمام… لا هروبًا من الأصل، ولا خضوعًا للوعد،
بل بحثًا عن ذاتها.
اختارت أن تمضي حيث تستطيع أن تكون نفسها،
حاملةً جذورها في قلبها، وماضيةً إلى الغد بوعيٍ لا بنسيان، فبعض الرحيل ليس خيانة،
بل ولادةٌ أخرى.
#سونيا_بوماد