السفير أحمد مجاهد يكتب :بعض الملاحظات حول إيران (١)

الأوضاع الداخلية الإيرانية
منطقيا ووفقا للتقارير، فقد النظام الإيرانى بصيغته الأيديولوجية الأصلية (حكم ولاية الفقيه، وخطاب الثورة الإسلامية، ومعاداة “الاستكبار العالمى”، ومشروع التمدد الشيعى الدعوى أو المسلح) قدرا معتبرا من صلابته وشرعيته الداخلية خلال السنوات الأخيرة. يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل:
• تفاقم التناقض بين إيران الثورة وإيران الدولة بوصفه اتساعا مستمرا للفجوة بين منطقين حكما السلوك الإيرانى منذ قيام الجمهورية الإسلامية، لكنهما باتا اليوم فى حالة صدام مباشر، نتيجة التحول الجيلى داخل المجتمع الإيرانى، واتساع الفجوة بين الدولة الثورية القديمة بأساليبها وثقافيتها العتيقة وبين الشباب الإيرانى المعولم الذى لم يعاصر الثورة ولا النظام الثورى فى عنفوانه الإيديولوجى، والذى يريد “أن يعيش بشكل طبيعى كما يعيش الناس”.
• ضعف الأداء العام وانتشار الفساد البنيوى داخل مؤسسات الدولة، لا سيما فى المؤسسات الأمنية القائدة.
• استمرار هيمنة البعد القمعى في إدارة المجتمع -رغم تقليصه شكليا، مع تراجع شرعية الإنجاز، تحت وطأة ضعف الأداء والفساد، والأثر الخانق للعقوبات الأمريكية والغربية، وما ترتب عليها من تدهور معيشى حاد، لا سيما خلال العامين الأخيرين.
• الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، والهجمات الإسرائيلية الاستخبارية التى طالت صلب جهاز الدولة فى نخبته العليا وصورة الدولة الرمزية والسيادية وأدت إلى اهتزاز الثقة الشعبية فى الحكم، سواء عبر سهولة تحييد الأذرع الإقليمية وبصفة خاصة فى لبنان وسوريا، أو سقوط طائرة الرئيس الإيرانى، أو العمليات الأمنية النوعية داخل العمق الإيرانى خلال العامين الماضيين، بما فى ذلك الاغتيالات والاختراقات التقنية والأمنية العميقة والفادحة.
• الأزمات المتفاقمة، وفى مقدمتها أزمة المياه، فضلًا عن الأزمات المفتعلة أو المضخّمة بفعل الحصار والحرب الهجينة متعددة المصادر والأدوات ضد إيران.
لكن يظل من الصعوبة بمكان حساب مساحة التراجع فى شرعية النظام الإيرانى ومدى تأثير ذلك على بقائه. فهذه التقديرات لا تملكها إلا الأجهزة الإيرانية أو أجهزة استخبارية خارجية لديها وجود بشرى وتكنولوجى كثيف فى إيران. وحتى فى هذه الحالة، تظل كلها مجرد تقديرات. وتطورات الموقف تخلق تفاعلات ومسارات لا يمكن التكهن بها.
بالرغم من كل ذلك، تشير القراءة المتأنية إلى أن النظام الإيرانى الأمنى الصارم ما زال محتفظا بقدر معقول من التماسك، وأنه قد أعاد ترتيب أوراقه بعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية المهينة خلال العامين الماضيين، فضلا عن استمرار امتلاكه قاعدة شعبية ما زالت واسعة ومنتشرة على نطاق الإقليم الإيرانى.
لكن، فى كل الأحوال، من السذاجة تصور انهيار النظام الإيرانى بهذا الشكل المفاجئ الذى تم الترويج له خلال الأيام الأخيرة، أيضا بشكل مفاجئ.