
القعقاع بن عمر مع خالد بن الوليد. ها نحن أولاء في العام التاسع للهجرة، وهو العام الذي دعاه المسلمون عام الوفود. وها هي ذي مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه تفتح صدرها الرحب لتستقبل مع إشراقة كل صباح وفداً أو أكثر قدم عليها من أنحاء الجزيرة العربية، ليعلنوا إسلامهم بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ويبايعوه على السمع والطاعة. وها هم أولاء السادة الأماجد من وجوه بني تميم يذعنون للإسلام بعد طول نفار، ويقدمون على المدينة مسلمين طائعين، ويبسطون أيديهم للرسول صلوات الله وسلامه عليه مبايعين.
وبينما كان القوم يعلنون إسلامهم بين يدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ويأخذون جوائزهم التي أمر لهم بها، كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتوسم فتى منهم ويتفرس في وجهه، ثم ما لبث أن حدق فيه وقال: “ما اسم الفتى؟” فقال: “القعقاع بن عمر”. فقال: “ما أعددت للجهاد في سبيل الله يا قعقاع؟” فقال: “طاعة الله ورسوله، والخيل الصافنات والرماح المرهفات”. فقال: “تلك الغاية”. ومنذ ذلك اليوم وضع القعقاع بن عمر نفسه وسيفه في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل مفرشه صهوات الجهاد.
فتعالوا نقضي هذه اللحظات الرائعات مع القعقاع بن عمر وقائده سيف الإسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه. ما كاد خالد بن الوليد يسلم جنبه إلى الراحة بعد الفراغ من حروب الردة، حتى جاءه كتاب أبي بكر الصديق رضوان الله عليه يأمره فيه بالتوجه لفتح بلاد العراق، واستنقاذها من أيدي الفرس، وإدخال أهلها في دين الله.
لكن جنود خالد كانوا قد تناقصوا وتفرقوا، حيث استشهد منهم من استشهد في حروب الردة الطاحنة، وسرح منهم إلى أهله من سرح بعد أن طال بينه وبينهم العهد إلا العدد اليسير. فكتب إلى أبي بكر الصديق يطلب منه المدد، فلما فَضَّ الصديق رضوان الله عليه كتاب خالد ووقف على ما فيه، قال لمن معه: “إن خالد بن الوليد يطلب منا مدده، فأمدوه بالقعقاع بن عمر”. ففغر الحاضرون أفواههم دهشة مما سمعوه وقالوا: “يا أمير المؤمنين، برجل واحد؟”. فقال الصديق رضوان الله عليه: “نعم، فإن صوت القعقاع بن عمر في الجيش لخير من ألف فارس، وإنه لا يهزم جيش فيه القعقاع”.
مضى خالد بن الوليد على رأس عشرة آلاف من جنده نحو العراق، ومعه القعقاع بن عمر الذي عده الصديق رضوان الله عليه بألف فارس. ووجَّه وجهه شطر منطقة الحفير الواقعة على مقربة من الخليج الفارسي مما يلي الصحراء، وكان هرمز أميراً لهذه المنطقة من قبل ملك الفرس. وهرمز إن كنتم لا تعلمون أحد الرجال القلائل الذين تم لهم الشرف من الفرس في عصره، ولا أدل على شرفه الذي بلغه من قلنسوته التي تساوي مئة ألف، إذ كان من عادة الفرس أن يجعلوا قلانسهم على قدر شرفهم في قومهم، فمن بلغ الغاية في الشرف فقيمة قلنسوته مئة ألف.
غير أن هرمز كان من أسوأ أمراء الفرس معاملة للعرب وأشدهم غطرسة عليهم، فكره العرب هرمز أشد الكره حتى جعلوه مضرباً للمثل في الشر، فكانوا يقولون في أمثالهم: “أشر من هرمز، وأكثر من هرمز”. ما إن حط خالد بن الوليد رحاله في المنطقة حتى وجَّه كتاباً إلى هرمز يقول فيه: “أما بعد، فأسلم تسلم، أو اختر لنفسك وقومك الذمة، وادفعوا للمسلمين الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة”.
طار صواب هرمز لما قرأ رسالة خالد بن الوليد، وكتب إلى أَردَشير ملك الفرس يخبره بقدوم المسلمين نحو العراق. ثم هب من ساعته ورصَّ صفوفه، وجمع جموعه، وأسرع بهم نحو موارد الماء في الحفير ونزل عليها قبل أن يصل إليها خالد بجيشه.
فلما بلغ خالد بن الوليد الحفير، أمر جنده بأن يلقوا رحالهم في مكان اختاره لهم. فقام إليه نفر منهم وقال: “أيها الأمير، إن عدونا على ماء ونحن على غير ماء، وإنا لنخشى أن نموت عطشاً”. فقال لهم خالد: “ألا، حطوا رحالكم حيث أمرتكم، ثم جالدوا عدوكم على الماء مجالدة المستميتين، فلعمري ليصيرنَّ الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين، وأنتم الأصبر والأكرم بإذن الله”.
اصطف العسكران كل منهما قبالة الآخر. ووقف هرمز في مقدمة جنده، وجعل عن يمينه أميراً من أمراء البيت المالك، وعن شماله أميراً آخر. وكان قد أضمر في نفسه شراً، وطوى صدره على غدره. لقد أيقن هرمز أنه إذا استطاع أن يقتل خالد بن الوليد، فإنه يكون قد قطع أربعة أخماس الطريق إلى النصر. لكنه كان على يقين بأنه ليس في وسعه أن يقتله مكافحة، وما دام الأمر كذلك فليقتله غدراً، وليتحدث الناس عنه بعد ذلك بما يشاءون، وليرموه بما يريدون. فأسر إلى فريق من خاصة فرسانه بما عقد عليه العزم، وأحكم معهم الخطة، وحدد لكل منهم مهمته.
خرج هرمز من بين الصفوف، ووقف في الساحة التي تفصل بين العسكرين، وهتف هتاف المتحدي، وأخذ يقول: “إليّ يا خالد، أبرز لي يا خالد”. لكنه جعل وقفته قريباً من معسكر الفرس بعيداً عن معسكر المسلمين. فما إن سمع خالد بن الوليد نداءه حتى ترجل عن جواده ومضى إلى لقائه.
غير أن خالد ما كان يشهر سيفه ليصاول عدو الله وعدوه، حتى وثب عليه الرجال الذين أعدهم هرمز وثبة واحدة، وسيوفهم مسلطة في أيديهم يريدون قتله غدراً. هنا هب الفارس الذي عده الصديق رضوان الله عليه بألف فارس، وانطلق من مكانه انطلاق السهم، وقذف بنفسه في الساحة وهو يقول: “لقد جاءك القعقاع بن عمر يا عدو الله، لقد جاءك القعقاع”. ثم انصب على هرمز ورجاله صباب الصاعقة، وتبعه رجال أنجاد أمجاد من جيش المسلمين.
فدارت بين الفريقين معركة خاطفة، استل خلالها خالد روح هرمز من بين جنبيه، وصرع القعقاع ومن معه العصبة الغادرة العابثة بآداب الحروب، ورموهم جثثاً هامدة في ساحة المعركة على مرأى من الفرس ومسمع، فلم يجرؤ أحد منهم على أن يحرك ساكناً. ثم كر المسلمون على عدوهم كرة واحدة، فأزالوهم عن مواقعهم، وحملوهم على أن يولوا الأدبار، وطوحوا بهم بين قتيل وجريح وهزيم.
وعندما وضعت المعركة أوزارها، نظر خالد إلى القعقاع بن عمر وقال: “لله در أبي بكر، فإنه أعرف منا بالرجال. لقد صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: إن جيشاً فيه القعقاع بن عمر لا يغلب”.
وثق يوم الحفير ما بين خالد بن الوليد والقعقاع بن عمر، ولا غرو، فقد عرف خالد مقام صاحبه في ساحات الوغى، وغناءه إذا جد الجد وألمت الملمات. فولاه القيادات، وألقى على كاهله أثقل المهمات، وجعله ساعده الأيمن في اليرموك وغير يوم اليرموك، وكان له معه يوم فتح دمشق مغامرة لا يجرؤ على اقتحامها إلا أولئك الذين قدت قلوبهم من الصخر، وصيغت أذهانهم من الجوهر.
كان خالد بن الوليد يوم فتح دمشق واحداً من أربعة قواد يعملون تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح، لكن خالداً سواء أكان قائداً عاماً للجيش كله أم قائد كتيبة من كتائبه، فإنه كان يحرص أشد الحرص على أن يكون القعقاع بن عمر معه. ذلك لأن خالداً كان يطمح دائماً إلى أن يأتي هو ومن معه بالمعجزات، ومن مثل القعقاع بن عمر لصنع المعجزات.
كانت مدينة دمشق الذاكي تحيط بها الأسوار المنيعة من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، وكان حولها خندق عميق يطوقها من جهاتها الثلاث، وكانت لها أبواب خمسة تفتح في أوقات السلم مع إشراقة كل صباح ليخرج الناس منها ويدخلوا إليها، وتغلق مع كل مساء لينام الناس داخلها آمنين مطمئنين على أنفسهم وأموالهم من السراق والطراق. فإذا تعرضت المدينة العريقة لغزو غاز، أغلق حماتها أبوابها وغمرّوا خندقها بالمياه، فإذا هي جزيرة منيعة محوطة بالأسوار والمياه في وقت معاً.
وزع أبو عبيدة بن الجراح أبواب دمشق على نفسه وعلى قواده، فنزل هو أمام باب الجابية، ونزل عمرو بن العاص أمام باب توما، ونزل شرحبيل بن حسنة أمام باب الفراديس، ونزل يزيد بن أبي سفيان أمام الباب الصغير. أما خالد بن الوليد، فنزل هو وصاحبه القعقاع بن عمر أمام الباب الشرقي، وكان أمنع هذه الأبواب وأشدها قوة.
نصب المسلمون منجنيقاتهم حول المدينة الحصينة، وأقاموا دباباتهم عند أبوابها، والدبابات هي آلة تتخذ في الحروب يدخل فيها الرجال ثم تدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. فرد حماة المدينة جنود الدبابات، وثبتت حصونهم لرمي المنجنيقات، فلم يجد المسلمون وسيلة لإرغام العدو على الاستسلام إلا الحصار. لكن حصار دمشق طال حتى بلغ سبعة أشهر أو نحواً من ذلك، ولم يكن ضيق المحاصرين داخل دمشق بأشد من ضيق المحاصرين لها من الخارج، فقد بات المسلمون يتساءلون فيما يشبه اليأس: كيف لنا بفتح المدينة؟ ومتى؟ فجاءهم الجواب على لسان خالد بن الوليد وصاحبه القعقاع بن عمر.
كانت لخالد بن الوليد آذان تسمع كل ما يقال خلف أسوار دمشق، وعيون ترى كل ما يجري فيها. فجاءته عيونه ذات يوم تقول: “أيها الأمير، إن بطريق دمشق قد ولد له على الكبر مولود بعد طول ترقب، ففرح به أشد الفرح، ولقد بلغ من فرحه أنه دعا حماة المدينة وجنودها في ليلة غد إلى وليمة جَفْلَة، سيأكلون فيها روائع الطعام، ويشربون خلالها عتيق الخمور، ويطربون حتى الصباح. وإن عليك أيها الأمير أن تهتبل لهذه الفرصة”.
فآرَ القائد الملهم، فصنع سلاسل من الحبال، وأعد لغزوته هذه طائفة وافية من الأوهاق، وهي حبال متينة في رأس كل منها أنشوطة، يقذفها الرامي الحاذق فتعلق بما رُميت عليه. فلما دجَّ الليل ولف الكون بظلامه، قال خالد لجنوده: “إنا سنرقى إلى السور، فإذا سمعتم تكبيرنا فليصعد نفر كبير منكم خلفنا، وليندفع بقيتكم على الباب”. ثم مضى هو والقعقاع بن عمر وثلة قليلة من أصحابه، فعبروا الخندق عومًا على القِرَب، حتى وصلوا أسوار المدينة.
ثم قذفوا أوهاقهم فأثبتوها في شرفات السور، وتسلقوا عليها حتى ركبوا أعاليه، ونصبوا سلالم الحبال التي معهم من خارج السور لمن يريد أن يرقى إليه، ومن داخله لمن يريد أن ينزل إلى المدينة. ثم كبَّر خالد، فعبر جنده الخندق، ثم منحدر هو والقعقاع بن عمر أمام الباب، فقتلوا حماته، وفتحوا أقفاله، وتدفق جند الله على المدينة من أعلى ومن أسفل، واندفعوا داخل دمشق مهللين مكبرين.
فدب في المدينة الحصينة الفزع والجزع، وسيطر على حماتها الاضطراب والهلع، وشاور بعضهم بعضاً فرأوا أن يفتحوا الأبواب الأخرى للمدينة بأيديهم ليدخلها المسلمون سلماً، بدلاً من أن يدخلوها حرباً فيقتلوا المقاتلة، ويسبوا الذرارية، ويحرزوا الغنائم. ففتحوها، ولو لم يفعلوا لفتحها المسلمون بنصر من الله.
وإلى لقاء آخر مع القعقاع بن عمر، الذي وضع نفسه وسيفه ورمحه في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل مفرشه على صهوات الجياد.
وبعد، فما دمتم أيها الأحباب الكرام قد وصلتم إلى هنا من هذا المقطع، فقد أتممتم بفضل الله القراءة، فجزاكم الله من الخير أجزله. فإن صادف قبولًا، فلا تبخلوا علينا بإعجاب وتعليق ليصل إلى غيركم، وعلى الله الأجور. ولا تحرمونا كذلك من دعوة بظهر الغيب، وإن كان من ثلمة فشأن الكرام ستر العيب. أدامكم الله خيرًا لا ينقطع أثره، ممتدًّا في الدنيا وباقيًا.