رؤي ومقالات

أحمد فؤاد يكتب :حين تنقلب القوة على صانعتها
الترامبية وتفكيك النظام العالمي من الداخل

‎
هذه ليست مقالة رأي بالمعنى التقليدي، بل محاولة لقراءة مسارٍ خطير يتشكّل أمام أعيننا؛ مسار تتخلى فيه الولايات المتحدة، طوعًا، عن النظام الدولي الذي كانت مهندسه الأكبر، لتتبنّى منطقًا أكثر بدائية يقوم على القوة العارية لا على القواعد.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد ممكنًا التعامل مع سلوكه بوصفه انحرافًا شخصيًا أو نزوة سياسية عابرة. ما نواجهه اليوم هو مشروع متكامل يسعى إلى إعادة تعريف النظام العالمي نفسه، لا إصلاحه. مشروع يرى في القانون الدولي قيدًا، وفي التعددية عبئًا، وفي القيم ترفًا يمكن تجاوزه متى تعارض مع ما يُسمّى “المصلحة الوطنية”.

جذور هذا المسار تعود إلى ولايته الأولى. فالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران لم يكن قرارًا تقنيًا، بل نسفًا لمسار تفاوضي شاق استمر أكثر من اثني عشر عامًا، وشاركت فيه قوى دولية كبرى. إسقاط هذا الاتفاق بقرار أحادي لم يوجّه رسالة إلى طهران فحسب، بل إلى العالم كله: التوافق الدولي لا يُلزم واشنطن إذا تغيّرت موازين القوة أو الحسابات السياسية الداخلية.

الأمر ذاته ينطبق على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومنح الجولان السوري لإسرائيل خارج أي إطار تفاوضي. في الحالتين، لم تكن الخطورة في الانتهاك بحد ذاته، بل في تكريسه كأمر واقع، وفي الصمت الدولي الذي رافقه، وكأن النظام القائم على القواعد قابل للتعليق متى شاء الأقوياء.

لطالما استند النفوذ الأميركي إلى ما سُمّي بـ“الاستثناء الأخلاقي”: دولة قوية، نعم، لكنها – نظريًا – خاضعة للقانون، ومحكومة بالمؤسسات. هذا الادعاء لم يكن تفصيلًا دعائيًا، بل مصدرًا أساسيًا للهيمنة الناعمة، والعامل الذي جعل كثيرًا من شعوب العالم تتسامح مع التفوق الأميركي أو تتغاضى عن تجاوزاته. اليوم، يتآكل هذا القناع بوتيرة متسارعة.

السياسة الترامبية لم تخترع منطق القوة، لكنها نزعت عنه آخر مساحيق التجميل. ما كانت الإدارات السابقة تمارسه بحذر وتغليف أخلاقي، بات يُقدَّم اليوم بلا مواربة. المصالح أولًا، القواعد قابلة للتجاوز، والقوة لا تحتاج إلى إذن. تصريحات المقربين من ترامب، التي تتحدث صراحة عن عالم تحكمه القوة والنفوذ لا القيم، ليست زلات لسان، بل تعبيرًا صريحًا عن عقل سياسي جديد – أو قديم – عاد إلى الواجهة.

هذا التحول ينعكس بوضوح في سلسلة من السلوكيات المقلقة: عملية عسكرية في فنزويلا انتهت بالقبض على رئيس منتخب، تهديد بالسيطرة على غرينلاند التابعة لحليف أطلسي، تصعيد غير مسبوق ضد إيران تحت شعار تغيير النظام، وابتزاز سياسي واقتصادي لدول في أميركا اللاتينية. هذه الوقائع لا يمكن قراءتها منفصلة، بل كحلقات في مسار واحد يختبر حدود الردع الدولي.

السؤال الجوهري هنا هو: لماذا تتفلت أميركا اليوم من القواعد التي خدمت مصالحها لعقود؟ الجواب لا يكمن فقط في شخصية ترامب، بل في شعور متزايد داخل النخبة الأميركية بأن كلفة الالتزام بالقواعد باتت أعلى من فوائدها، وأن العالم لم يعد قابلًا للإدارة بالأدوات القديمة. لكن الخطورة أن هذا التفكير، إذا تُرك بلا كوابح، يفتح الباب أمام قوى أخرى لتحذو الحذو ذاته.

الخطر الحقيقي لا يتمثل في احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة فورًا، بل في انهيار الإجماع على ما هو مسموح وما هو محرّم. فالحروب الكبرى لا تبدأ بإعلان، بل بانهيار القواعد التي تمنعها. حين ترى الدول أن القوة العارية هي اللغة الوحيدة المجدية، تتحول الفوضى إلى خيار عقلاني، لا إلى انحراف.

التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد شرعيتها الأخلاقية. وحين يكتب المؤرخون هذه المرحلة، لن يسألوا: من كان الأقوى؟ بل سيسألون: متى قررت القوة أن تستغني عن الشرعية؟ ومتى صمت العالم؟
‎
ختامًا، لا يمكن تجاهل البعد الشخصي في هذه اللحظة التاريخية الخطرة. نحن أمام رئيس يقترب من الثمانين من عمره، أمضى حياته السياسية والعامة أسير نزعة نرجسية ترى العالم مسرحًا لإثبات الذات لا فضاءً للمسؤولية. في مثل هذه الحالات، يصبح الخلط بين المصير الشخصي ومصير الدول أمرًا بالغ الخطورة. وحين يلتقي هذا النمط النفسي بقادة آخرين يتقاطعون معه في الذهنية نفسها، كما هو الحال مع بنيامين نتنياهو، يستحضر التاريخ تشبيهًا مرعبًا: نيرون، الإمبراطور الذي انشغل بذاته بينما كانت روما تحترق.

الفارق أن حريق اليوم لا يهدد مدينة، بل نظامًا دوليًا بأكمله. الخطر لا يكمن فقط في القرارات، بل في غياب الإحساس بالحدود، وفي وهم القدرة على التحكم بالفوضى بعد إشعالها. إن ترك مصير العالم رهينة نزوات شخصية وحسابات داخلية ضيقة قد يقود البشرية إلى كلفة لا يمكن التراجع عنها. هنا، تصبح مسؤولية النخب، والمؤسسات، والدول، مضاعفة: إما كبح هذا المسار قبل أن يستكمل دورته التدميرية، أو الاستعداد لعالم يولد من رحم الفوضى، بلا قواعد، ولا ضمانات، ولا ذاكرة أخلاقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى