عَلاقةُ الأمثالِ الشَّعبيَّةِ بالبيئةِ التى قِيلَتْ فيها أوَّلَ الأمر…بقلم محمد عبد اللاه أحمد

السلام عليكم
– ولنا أن نعلمَ أنَّ الذي نراه الآنَ في البيئات المنفتحة المتحضرة المتحررة ، أو لدى أصحابها ، وذويها ، وساكنيها لاسيما الشباب من الفتيات والفتيان – من تهورٍ في التفكير ، وانفلاتٍ في السلوك ، وارتكابٍ للحماقات , وانتهاك للأخلاقيات ؛ فذلك لأن الحريةَ المطلقةَ التي اكتسبها الكثيرُ من أصحاب تلك البيئات في عواصم المحافظات ، وفي المدن المتحضرة ، وفي الأحياء الراقية – بسبب ذلك الانفتاحِ الشديدِ على الغرب دونَ تريث ، والانبهارِ الأشدّ بثقافة الوافدين منه دونَ تعقل ، والتقليدِ الأعمَى لهم في كل شيءٍ دونَ تفكير ، والبعد الواضح عن ثوابت الدين والاستخفاف بها – أدَّتْ بالضرورة إلى التنصلِ المندفع ، والتحررِ غيرِ المدروس ، والانفلاتِ غيرِ المتوقع من العادات العريقة , والتقاليد الموروثة , والأعراف الأصيلة التي كان يزدهي بها ويزهو كلُّ من يدُبُّ على أرض المحروسة شمالًا وجنوبًا منذُ آلاف السنين ، والتي كانت تُعطي كلَّ فردٍ في الأسرة والمجتمع منزلتَهُ الطبيعية ، ومكانتَهُ الاجتماعية ،
– وقد أدَّتْ كذلك إلى إذابة الفواصل الطبيعية ، والفروق الاجتماعية التي بين الأشخاص في الأسرة والمجتمع ، والتي كانت قائمة ومقيمة بينهم بحكم السن أو المنصب أو صلة القرابة ، وأنشأت ما يسمى بالمساواة بين الجميع دونَ حسابٍ أو تمييز ؛ فلا فرقَ في المكانةِ والمعاملة بين كبيرٍ وصغيرٍ ، وبين رجلٍ وامرأةٍ , وبين زوجٍ وزوجتِهِ ، وبين ولدٍ وأبيه ، وبين أخٍ وأخيه ، وبين معلمٍ وتلاميذه إلا من رحم ربي … كلُّ فردٍ منهم له رأيُهُ المختلف ، وشخصيتُهُ المتحررة ، وتفكيرُهُ الجامح ، وسلوكُهُ الطائش ، وثقافتُهُ المستعارة ، وعالمُهُ الخاصُّ به دونَ أدنى اعتراضٍ أو تدخلٍ من أحدٍ حتى إذا كان الأمرُ يستدعي ذلك بكل شدةٍ وصرامة ، أو ربما لا يوجدُ من يعترضُ أو يتدخل ، فالأمرُ طبيعيٌّ في نظر الجميع ، ولا غرابةَ فيه بحكم التعود والاستمرار .
– وكأن لسانَ حالِهم يقول : ” كُلْ وَاحِدْ يِنَامْ عَ الجَّنْبِ اللِّي يِرَيِحُهْ ” – ” كُلْ وَاحِدْ مِعَلَّقْ مِنْ عَرْقُوبُهْ ” – ” كُلِّنَا اوْلَادْ تِسْعَةْ ” – ” مَا فِيشْ حَدْ أَحْسَنْ مِنْ حَدْ ” – ” اللِّي يِعْرِفْ أَبُويَا يِقُولْ لُهْ , وِاللِّي كَتَبْ كِتَابِي يِحِلُّهْ ” ، وكأن واصفَ حالتِهم السيئةِ هذه , وهو في غاية الحسرة والأسف يقول : ” زَيّ مَمْلَكْةِ الْقُرُودْ , كَبِيرْهُمْ بِيْرَقِّصُوهْ ” ذلك لأن كبيرهم في حقيقة الأمر كما يقولون : ” كَبِيرْ عَجُّورْ ” , أو يقولون : ” ما كبير إلا الشوال ” .
– وإذا حاولَ أحدُ الناصحين من المتخصصين والمسئولين إنقاذَ ما يُمكِنُ إنقاذُهُ ، فأقبلَ عليهم ناصحًا واعظًا قالوا له وهم حانقون : ” خَلِّيكْ فِي حَالَكْ , يِزِيدْ رِسْمَالَكْ ” ، وإذا حاول مرةً أُخْرَى قالوا له وهم ساخرون : ” يَا سِيدْنَا الشِّيخْ , ضَرْبَةْ تِكْسِرْ لُوحَكْ , قَبْلْ مَا تْعَدِّلْ عَلَى النَّاسْ , عَدِّلْ عَلَى رُوحَكْ ” .
– كلُّ ذلك جميعًا وغيرُهُ لم يكن موجودًا بين أهلِ البيئات المنغلقة المحافظة في شيء ، سواءٌ التي هي في جنوب البلاد أو التي في شمالها ؛ حيثُ الأعرافُ الراسخةُ ، والعاداتُ الثابتةُ , والتقاليدُ الموروثةُ التي هي هي من قديم الزمان ، والالتزامُ الطبيعيُّ والفطريُّ بهذه الموروثاتِ دون جهدٍ أو معاناة , والمحافظةُ عليها دونَ جدالٍ أو نقاش ؛ فلا أحدَ يستطيعُ أن يخرجَ عنها إلا ما ندر ؛ وفي ذلك قالوا : ” اِللِّي مَا لْهُوشْ قَدِيمْ , مَالْهُوشْ جَدِيدْ ” – ” اِللِّي مَا لْهُوشْ مَاضِي , مَا لْهُوشْ حَاضِرْ ” – ” اِللِّي مَايِتَبِّعْ كَبِيرُهْ , يَا تَعَاتِيرُهْ ” – ” أَنَا كَبِيرْ وِانْتَ كَبِيرْ , مِينْ يِسُوقْ الْحَمِيرْ ” ، ” أَنَا سِتْ وِانْتِي سِتْ , مِينْ يِكِبْ الطَّشْتْ ” ” اِللِّي مَالْهُوشْ كَبِيرْ , يِشْتَرِي لُهْ كَبِيرْ ” ، ثم قالوا : ” كُلْ مَا يِعْجِبَكْ , وِالْبِسْ مَا يِعْجِبْ النَّاسْ ” ، فالحريةُ عندهم غيرُ مطلقة ، بل مقيدةٌ بمعاييرَ اجتماعيةٍ ودينية ثابتةٍ تُمليها عليهم تلك البيئةُ التقليديةُ التي يعيشون فيها منذ عهدٍ بعيد ، ولم تتغير ، ولن تتغير بإذن الله تعالى ؛ لما فيها من طاعةٍ لله ، وانتماءٍ للجماعة ، وإحساسٍ بالقناعة ، وراحةٍ للضمير ، واستعدادٍ للتطور الفطري والتقدم الطبيعي في إطار المُحافظةِ على القيم والمبادئ الأصيلة .