
في فجرٍ يلامسُ فيه الضبابُ أطرافَ الغابة، وجدتُ مفتاحًا ذهبيًا يقف على صخرةٍ مكسوّةٍ بالطحلب كأنّ الزّمن نسيَه هناك أو كأنّ الأرض خبّأته لمن يعرف معنى البحث لا لمن يجيد الفتح.
دنوتُ منه فارتجفت الغابةُ حولي ارتعاشةَ كائنٍ يستعدّ للبوح. شعرتُ أنّ المفتاح ليس من ذهبٍ فحسب، بل من ذاكرةٍ بعيدةٍ كانت تتنفس في صدري ولم أكن أعرفها.
ولمّا لامستُه سمعتُ همسًا يشبه صدى نايٍ حزين:
“يا عابرَ الروح، ليس كلُّ مفتاحٍ خُلق ليُدرج في قفل
بعضها خُلق ليُفتح به قلبٌ مغلق أو تُنهض به روحٌ نائمة”.
فسألته ، أو لعلّي سألت صدى الحكمة فيه: ولماذا تُترك مفاتيحُ الأرواح في الغابات؟
فأجابني الصّوت الذي كان من داخلي أكثر ممّا كان حولي:
“لأنّ الإنسانَ لا يجد مفاتيحَه في المدن الصاخبة،
بل في الأماكن التي يستطيع أن يسمع فيها قلبَه.”
نظرتُ إلى الغابة، إلى الأشجار التي تتنفس مع الريح وإلى الضوء الذي كان يتسلّل كأنّه يبحث عن شيءٍ أضاعه،ثم شعرتُ أنّ المفتاح يثقل كفّي، ليس لثِقله المادي، بل لِما يحمله من احتمال.
قال الصوت من جديد:
“إن شئتِ حملته، لكن تذكّري المفاتيح التي تُضيء تُطالبُ مَن يحملها بأن ينفتح أوّلًا”.
رفعتُ المفتاح إلى مستوى عينيّ، فرأيتُ فيه انعكاسًا لوجهٍ لم أعرفه من قبل، وجهًا يشبهني ولا يشبهني،فيه من جراح الأمس بقدر ما فيه من احتمالات الغد.
عندها أدركتُ أنّني لم آتِ لأفتح بابًا في الغابة، بل بابًا في داخلي.
فتركتُ المفتاح على الصخرة كما وجدتُه ومضيتُ ،لكن قلبي كان قد فُتح وذلك وحده كان المفتاح.