
خفة الوقت
فنتازيا سردية..
لم يكن الصباح قد قرّر شكله بعد.
الضوء متردّد، كأنه يجرّ قدميه فوق السطوح،وأنا أجلس أمام الورقة كما لو كنتُ أعتذر لها.قالت الورقة، أو هكذا خُيّل إليّ:
— لا تكتبني إن كنتَ خائفًا.
قلتُ:— لستُ خائفًا، أنا فقط لا أريد أن أوذي أحدًا.!!
ضحكت، كان ضحكي أبيضَ، واسعًا، بلا صوت:
— الأذى لا يأتي من الكلمات، بل من صدقها المتأخّر.!!
في الغرفة المقابلة، ثمة رجلٌ لا أعرفه يربط حذاءه…كلما كتبتُ جملة، شدّ الرباط أكثر…سألته بحزن مشوب بالإرتباك:— لماذا تشدّه إلى هذا الحد؟!!
قال دون أن ينظر إليّ:— أخشى أن أتعثر في ما لم يحدث بعد!!.
محوتُ الجملة…فارتخى الرباط قليلًا.
ثمة سيدة مفرطة الأناقة،فارعة الطويل تشبه جذع نخلة مستقيم، تمرّ كل صباح تحت نافذتي،تحمل كيس خبز، تعدّ خطواتها بصوتٍ منخفض.
حين أكتب عن يدٍ ترتجف، تتوقّف عند الرقم سبعة…وحين أترك فراغًا، تكمل العدّ حتى النهاية…
قلتُ للورقة:—— أترين.. البياض أرحم.
قالت:— لكنه أقل شجاعة.
جلسنا طويلاً دونما كلام.الصمت بيننا لم يك فراغًا،بل ممرًّا ضيقًا نعبره بحذر،دخل الطفل.لا أعرف من أين جاء.ليسألني:— هل تكتب النهاية اليوم؟!!
قلتُ:—- لا نهاية هنا…!!
ابتسم بأسنانه الناقصة:— هذا ما تقوله النهايات دائمًا!!
ناولني قلمًا آخر، أخفّ وزنًا.
قائلاً:— هذا لا يجرح كثيرًا…!!
بدأت أكتب دون أن أسمّي الأشياء.
لم أقل: موت، قلتُ: غياب طويل.
لم أقل: خيانة، قلتُ: كرسي فارغ.
ولم أقل: أنا،،،تركتُ الضمير يتسرّب وحده بين السطور…الرجل أنهى ربط حذائه.السيدة وصلت إلى بابها…
الطفل خرج وهو يلوّح ليَّ،
كأنه يودّع قصة لم تُولد تمامًا.عند الفقرة الأخيرة، توقّفت.الورقة انتظرت، هذه المرة بصبرٍ غريب.
قلتُ لها:— سأتركك ناقصة.
قالت بهدوء الحكيم الذي خسر معركة وربح المعنى:— النقص شكلٌ آخر من الرحمة.
وضعتُ النقطة،لكنها لم تكن في آخر السطر،،،بل في مكانٍ لا يراه أحد،
مكانٍ يشبه القلب ،حين يقرّر أن ينبض
أقلّ قليلًا.،،،في اليوم التالي، لم تعد الغرفة المقابلة فارغة.الرجل كان جالسًا هذه المرة، الحذاء في يده،
كأنه نزع طريقه ووضعه جانبًا.قال لي من غير مقدّمات:— كتبتَ عن الكرسي أمس…!!
لم أسأله كيف عرف.
قلت:— لم أكتب عنك…!!
أجاب بهدوء من تعلّم الخسارة:
— لا أحد يكتب عن أحد. نحن نمرّ فقط عبر الجمل…!!
جلستُ أمام الورقة.كانت أثقل من الأمس.الأوراق — حين تُترك ناقصة — تتذكّر.دخلت السيدة النخلة قبل موعدها.لم تك تحمل الخبز.قالت ناظرة إلى الفراغ قرب النافذة:
— اليوم نسيتُ الرقم سبعة..!!
سألتها:— هل هذا سيّئ؟!!
هزّت كتفيها:— لا أدري، لكنه مختلف..!!
بدأتُ أفهم اللعبة دون أن أوافق عليها.النص لا يؤذي،لكنه يكشف الوزن الحقيقي للأشياء.والأشياء.. حين يُكشف وزنها ..تفرض على أصحابها طريقة أخرى للمشي.في الصفحة الجديدة، حاولتُ الحيلة.
كتبتُ عن شجرة لا علاقة لها بأحد.
عن ظلّها، عن طائرٍ لم يحطّ عليها قط.
لكن الحبر ثقل فجأة،و توقّف القلم كمن اصطدم بعظم.سمعتُ صوت الطفل من الخلف:
— لا تحبّ الاستعارة الطويلة…!!
التفتُّ، لم يك هناك…لكن القلم تحرّك من تلقاء نفسه،،،راسماً خطًّا قصيرًا، مستقيمًا،،،كأنه يقول: —هنا…!!
فهمت…القصة لا تريد أن تُجمَّل،
ولا أن تُخادَع…تريد مسارًا واضحًا،
حتى ولو كان مؤلمًا.سألتُ الرجل:
— ماذا تخشى؟!!
قال بعد صمتٍ طويل:
— أن أكون دقيقًا أكثر مما يجب!!
قالت السيدة النخلة، كأنها تنتظر السؤال:— أنا أخشى أن أعتاد النقص…
كتبتُ ذلك.لا أكثر.في المساء، عاد الطفل.ليجلس على الأرض، قريبًا من قدمي.قال:
— إذا أكملتَ، يتغيّر شيء لا يمكنك إرجاعه…!!
قلتُ:— وإذا توقّفت؟!!
نظر إليّ نظرة من يعرف الحسابات الصغيرة:— يتغيّر الشيء نفسه، لكن ببطء…!!
ظهر الحدث.ليس انفجارًا، ولا اعترافًا،
بل قرارًا داخليًا يشبه إغلاق باب دون صوت.كتبتُ فصلًا كاملًا عن رجل يربط حذاءه ثم يخرج…لا حادثة في الطريق.
كتبتُ عن امرأة تصل إلى سبعة ثم تضحك وتكمل.وعن طفل لا يعود.
حين انتهيت،لم يحدث شيء خارق.
الغرفة بقيت كما هي.لكن الرجل نهض،ارتدى حذاءه دون شدّ زائد،
قائلاً:— الطريق لا يحتاج قسوة…!!
السيدة مرّت في اليوم التالي ومعها خبز زائد.قالت لي:— الرقم لا يهمّ، المهم الوصول…!!
صارت الورقة أخفّ.كأنها أدّت وظيفتها الأخلاقية الأخيرة.في السطر قبل الأخير،كتبتُ جملة واحدة لاغير:
—ليس كل ما يُكتَب يُنقَذ، لكن بعضه يمنع الغرق……………….!!
ثم تركتُ السطر الأخير فارغًا.ليس خوفًا،بل احترامًا لمسافة
يجب أن يقطعها القارئ وحده.
عندما أطفأتُ الضوء،لم يبقَ في الغرفة إلا ظلّ خفيف،لا يدلّ على شيء،
لكنه يؤكّد أن شيئًا مامرّ من هنا
وخرج أقلّ ألمًا.اقترب الظلّ من الجدار،لا ليكبر، بل ليصير أوضحاً.
لم يك ظلّ جسد،بل ظلّ قرارٍ اتُّخذ في مكانٍ لا يُرى…سمعتُ الورقة تتنفّس.
نعم، تتنفّس،كما لو أنّ البياض وجد مبرّرًا للبقاء.قالت، وهذه المرّة لم يك في صوتها حكمة ولا سخرية:
— الآن فقط صرتُ نصًّا…!!
قلتُ:— لأنني أنهيتك؟
قالت:— لأنك توقّفت عند اللحظة الصحيحة…!!
جلستُ على الأرض.الكتابة، حين تنتهي حقًّا،تُسقِط الكاتب عن كرسيه.فكّرتُ في الرجل،،،في السيدة،في الطفل الذي لم يعد…لم يختفوا،بل تحرّروا من ضرورة أن يكونوا رموزًا.صاروا ما هم عليه:—عابرين نجوا من تفسيرٍ زائد…!!
في الخارج، بدأ الصباح أخيرًا يشبه نفسه.الضوء لم يعد متردّدًا.كان حاسمًا،كمن قرّر أن يفضح الأشياء دون قسوة.نهضتُ،تاركاً الورقة حيث هي،لم أضع عنوانًا ثانيًا،ولم أشرح شيئًا.عرفتُ — متأخّرًا وبالقدر الكافي —:أن القصة المحكَمة ليست تلك التي تُغلق كل الأبواب،بل التي تترك بابًا واحدًا مواربًا ،حيث يستطيع الانسان الخروج حاملاً وجعه بيده لا في صدره.
عندما التفتُّ للمرة الأخيرة،لم يك الظلّ قد اختفى، قد وجد مكانه الصحيح:خلفي،لا يقودني،لا يطاردني،
بل يذكّرني أن ما نكتبه لا ينبغي أن يكون أثقل من قدرتنا على العيش بعده.،،!!