
اتهمت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية مصر بأن أعمال التطوير الجارية في منطقة جبل سيناء تُشكّل تهديدًا مباشرًا لـ”الوادي المقدس” الذي يُعدّ أحد أقدم المواقع الروحية في العالم المسيحي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إقامة دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء في منتصف القرن السادس الميلادي كان حدثًا محوريًّا غيّر طبيعة هذا المكان المقدس ودلالته الروحية، مُضفيًا عليه طابعًا رهبانيًّا فريدًا قائمًا على العزلة والتواضع والتقشف.
لكنها حذّرت من أن “المشروع التنموي الكبير” الذي تنفذه الحكومة المصرية حاليًّا في المنطقة قد يُقوّض هذه الخصوصية الفريدة، ويُعرض للخطر الطابع الروحي المنعزل الذي ظلّ يميّز الموقع لأكثر من 16 قرنًا.
وأعادت “هآرتس” إلى الذاكرة التاريخية، مشيرة إلى أن أولى الشهادات الموثقة عن زيارة هذا الموقع تعود إلى شتاء عام 383 ميلادي، حين وصلت إليه أجريا، وهي حاجة مسيحية من إسبانيا (التي كانت تُعرف آنذاك باسم “هِسبانيا”).
وأكدت الصحيفة أن هذه الزيارة جاءت بعد عقود قليلة فقط من بدء المسيحيين بتحديد المواقع المذكورة في الكتب المقدسة كأماكن مقدسة، والقيام برحلات حج إليها.
ووثّقت أجريا في يومياتها انطباعاتها عن جبل سيناء وضواحيه، واصفة إياه بأنه مليء بالمواقع المرتبطة بقصة الخروج من مصر وفرار النبي إيليا من الملك أخاب.
وذكرت أن بعض هذه المواقع كانت تحتوي بالفعل على كنائس صغيرة، وأن المنطقة كانت تعج بخلايا النساك الذين عاشوا في كهوف ومناطق نائية.
ولفتت الصحيفة إلى أن هؤلاء الرهبان — الذين وصفتهم أجريا بـ”المرشدين القدسيين” — كانوا يرافقون الحجاج في مسارات تحاكي الأحداث الكتابية، مما سمح لهم بفهم القصة المقدسة من خلال الجغرافيا.
وأشارت إلى ربط أماكن محددة بأحداث دينية — مثل:
“المكان الذي صُنع فيه العجل الذهبي”،
أو “المكان الذي اشتهى فيه بنو إسرائيل الطعام”،
أو “المكان الذي أقام فيه موسى المسخن لأول مرة” —
كما ورد في شهادة أجريا وفق ترجمة الباحثة أورا ليمور، حوّل جبل سيناء وضواحيه إلى تمثيل طوبوغرافي حي للسرد المقدس، جاعلًا منه مسرحًا روحيًّا لا يُضاهى.
وخلصت “هآرتس” إلى أن التوسع العمراني والتطوير السياحي الحالي، رغم أهدافه الاقتصادية، قد يؤدي إلى طمس الهوية الروحية والتاريخية للموقع، مُحذّرة من أن الحفاظ على قدسية المكان لا يقل أهمية عن تطويره.
المصدر: هآرتس