
هناك فارق كبير بين التحرر من القمع وبين التحرر من عقلية القمع، بين التحرر من الجلاد وبين التحرر من عقليته. التحرر ليس في الخروج من السجن بل الخروج من فكرة السجن كعقاب للمختلف.
كثير من حركات التحرر تبني قبل السلطة سجوناً للمعارضين من داخل ومن خارج صفوفها في نوع من التماهي مع الجلاد الأصلي لانها نشأت في بيئة عسكرية ودربها جلادها على أساليبه وعندما تتحول الى سلطة لا تجد أمامها غير نموذج جلادها في القمع بعد ان افرغها من آدميتها وحولها الى وحش مثله .
هذا التماهي محاولة لانقاذ لاشعوري من عقدة العار التي زرعها فيها طوال سنوات التي صارت القوة والقسوة النموذج الوحيد للتعامل مع المختلفين قبل وبعد السلطة.
خضعت الضحية تدري ام لا تدري لدورة تدريب طويلة على القمع الجسدي والنفسي وتعيد انتاجه على ضحايا سواء تحولت الى سلطة أم تحلم بها، ومن حسن الحظ كنا نقول في المنافي في المزاح المرْ إن بعض الأحزاب فشلت في الوصول الى سلطة لأنها تتصرف في المنافي الديمقراطية وتحت قوانين وثقافة وشعوب مختلفة تتصرف كسلطة لذلك قال ألبير كامو:
” الحلم والسلطة أمران متناقضان”.
الحلم نقاء والسلطة دولة وصفقات ومساومات واغراءات ومناورات وحيل وخيانات والخ.
أخطر ما يزرعه نظام قمعي في معارضيه هو فكرة إن السيطرة لا تتم عن طريق العدالة ــــــــــــــ في نظره العدالة ضعف ــــــــــــــ بل في الغطرسة والتحكم والتخويف وبهذه العقلية لا يخلق نظاماً ديمقراطياً أبداً بل بيئة جلادين علنيين أو متسترين خلف أقنعة.
خلال الصراع الطويل مع نظام قمعي ـــــــــــــ يسميه نيتشه الوحش ـــــــــــــــ تعلق مخالبه في أجساد وأعماق ضحاياه ويترك ندبة صدئة توخز الضحية كل ذكرى ويعتقد أن التساهل والتجاوز والتعدد وقبول الاختلاف ضعف سيعيده الى الدائرة القديمة يوم كان ضحية لذلك نسمع عبارة مكررة من هؤلاء تقول” لن نعود الى زمن القمع” لكنه يمارسه كاستحقاق وكثمن عن الماضي مما يتطب شجاعة نفسية وأخلاقية لقمع الوحش الذي في داخلنا الذي تشكل بسرية تامة خلال الصراع مع الوحش.
هناك من يعتقد ان المجتمع الذي عانى من قهر طويل يحتاج الى علاج نفسي طويل ومؤسسات صحية ونفسية أكثر من حاجته الى مؤسسات سياسية تدار من أشخاص يعانون من جروح نفسية عميقة لكن المشكلة ــــــــــــــ بتعبير علي الوردي منذ منتصف القرن الماضي ــــــــــــ من أين نعثر على فريق طبي يعالج مجتمعاً وهؤلاء جزء منه ويحملون علامات وجروح المجتمع نفسه؟. من أين نحصل على طبيب وممرضين وسائق اسعاف وحدائقي لا يحملون الندوب نفسها؟
من أوهام الصراع مع الوحش هو ايمان الضحية لكي تبقى حيةً ولا تتعرض للظلم هو ممارسة القسوة لان جلادها الاول صحرها عقليا ونفسيا واخلاقيا وفكريا وجعلها تعتقد ان الخلاص الوحيد هو في ممارسة نموذج الجلاد في السلطة سواء كان سلطة على شعب او جماعة او منظمة أو حتى على فرد واحد بل، حسب دويستوفسكي، ولو على ذبابة:
“السلطة المطلقة التي لا حدود لها ، نوع من المتعة ، ولو كانت سلطة على ذبابة”.
حتى من المنظور البيولوجي كيمياء الدماغ ممارسة السلطة ترفع مستويات التستوستيرون والدوبامين في الدماغ ويتحول الادمان على ممارسة السلطة كالادمان على المخدرات ويتحول التمركز حول الذات الى حصن ووقاية واعادة قلب الواقع من ضحية الى جلاد والشعور الزائف بالامان المطلق وهو الشعور نفسه الذي شعر به جلادها الاصلي يوم كان محاطا بكل عناصر القوة من جيش وأمن ومخابرات وحلفاء وأتباع لكن هذا هو الفخ الذي تقع فيه نظم القمع وتقع فيه حركات التحرر التي تبني سجوناً في المناطق المحررة وتمارس وحشية سلطة قمعية تعارضها وتحاربها لكنها تحمل نموذجها وجرثومتها القاتلة.
عندما تتحول ممارسة السلطة على شعب او جماعة او افراد الى متعة وليست وظيفة قانونية واخلاقية تقع في عمى السلطة بحيث تفقد رؤية الحقائق وتفقد الصلة بالواقع وتعيش واقعا افتراضيا تعززه حاشية من المنافقين ويتحول البشر الى أدوات وفي الوقت الذي يعتقد رجل السلطة الجديد انه يحمي نفسه من السقوط بممارسة اساليب القهر، لا يعرف ان السقوط قد حدث في فشل بناء نموذج عادل ومقنع وان السجون المادية والنفسية والفكرية التي بناها للخصوم، صارت حيطاناً بينه وبين الواقع.
السقوط ليس انهيار مؤسسة سياسية فحسب بل انهيار الفكرة التي تأسست عليها. السقوط ليس حركة خارجية بل عملية تآكل ذاتية صامتة.
لكن هذا السقوط في انحدار ومراحل صامتة وهادئة وسرية حتى الدوي الاخير الذي قد تحدثه في الظاهر ظروف غير متوقعة او تنبثق من احداث طارئة لان البناء منخور ومتفسخ.