
قصة اليوم إلى فترة خلافة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، وكان حينها القائد المسلم الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح المدن والقرى، وينشر الدين الإسلامي في الأرض.
كان فتح المدن يتم بدعوة أهلها إلى الإسلام أو الجزية، ثم يُمْهَلون ثلاثة أيام، كعادة المسلمين، ثم يبدأ القتال.
لكن قتيبة بن مسلم الباهلي دخل سمرقند وأخذ أهلها على حين غِرّة، من دون المهل المتعارف عليها، حيث كان لها جيش قوي يحميها، وتاريخها مع الغزاة حافل بالانتصارات، فلم يكن بوسع سمرقند إلا الاستسلام.
فرّ قادتها وحكامها وكهنتها إلى الجبال، ودخل الناس بيوتهم مذعورين، وقد ألجمتهم المفاجأة الهائلة. وسيطرت جيوش المسلمين على المدينة كلها دون أي مقاومة.
بدأ أهل سمرقند يخرجون من بيوتهم ويتعاملون مع الجنود بحذر وترقّب، وما هي إلا أيام حتى أدركوا أن المسلمين لا يريدون بهم الشر، بل هم غزاة من نوع جديد: يرحمون الصغير، ويساعدون الضعيف، ويدعون لعبادة إله واحد، لا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، بل يحمون الأمن وينشرون دينهم الإسلامي.
وفي أحد الأيام، نشبت مشاجرة في السوق بين شاب من أهل سمرقند وجندي من المسلمين، وتجمع الناس في خوف وترقّب، فلا شك عندهم أن جنود المسلمين سيتجمعون من كل صوب ليلقنوا الشاب درسًا لا ينساه، وليكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يعتدي على جندي من المسلمين.
وخلال لحظات، تجمع الجند وأحاطوا بالمشاجرة، ووسط دهشة الجميع، اقتاد الجند المتخاصمين والشهود إلى القاضي.
لم يتوقع أحد من من حضر المحاكمة شيئًا مما حدث؛ أوقف القاضي المسلم الجندي المسلم بجوار الشاب الوثني، وحقق في الأمر بكل نزاهة، ثم أصدر حكمه على الجندي المسلم.
انتظروا، لم تنتهِ القصة هنا، وما سمعتموه ليس هو الحكم العجيب، بل هو البداية.
فور صدور الحكم، انتشر الخبر في طول المدينة وعرضها: إن لهؤلاء الغزاة قضاءً عادلًا.
وهناك، في الجبال البعيدة، وقف شاب سمرقندي أمام كبير الكهان يقص عليه القصة التي أثارت استعجاب الجميع. وحين تأكد الكهان مما حدث، اتخذوا قرارًا لم يسبقهم إليه أحد؛ لقد قرر الكهان أن يرسلوا بشكواهم ضد قتيبة بن مسلم إلى الخليفة آنذاك عمر بن عبد العزيز.
انطلق الجواد الأصيل يطير بأحد شباب الكهان إلى عاصمة الخلافة الإسلامية. وكانت أحلام النجاح في مهمته شبه المستحيلة تساور الكاهن الشاب، وأخذ يعد العدة لما قد يلاقيه من مصاعب. إذ كيف له أن يدخل على أمير المؤمنين الذي يحكم دولة لم يسمع التاريخ عن مثلها، تمتد من حدود الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا؟
كيف سيتحدث إلى هذا الملك العظيم الذي فاق في ملكه كسرى وقيصر؟ ماذا سيقول له وهو يشتكي إليه أحد أعظم القادة؟ وماذا عساه أن يفعل به، وهو من أعدائه وخصوم دولته؟
إلا أن ما جهله الشاب أن من يقصده هو ملك اشتهر بزهده وعدله، ومواقفه الرجولية التي ميزته عن غيره. ازدهرت البلاد في زمنه، وقلّ الفقر، وسُنّت الكثير من القوانين والأحكام العادلة التي جعلت من عدله وحكمته قصصًا يرويها أهل البلاد في كل أرجائها وبقاعها.
انتهت رحلة الكاهن الشاب عند بيت قديم من الطين في حي متواضع من أحياء العاصمة. قالوا له: ستجد هناك الخليفة.
لم يصدق الشاب في بادئ الأمر، إذ كيف لمن يملك الدنيا أن يكون بيته في مثل هذا المكان؟
اقترب الكاهن الشاب من البيت، فإذا برجل يصلح جدارًا بالطين، وقد غطى الطين ثوبه ويديه، وكلما مرّ عليه أحد قال: السلام على أمير المؤمنين.
صُعق الشاب مما رأى. أهذا هو ملك الدنيا الذي خضعت له الرقاب؟ أمرٌ حقًا غريب!
وبينما هو مندهش يتأمل، إذ جاءت امرأة مع ابن لها تطلب من الخليفة أن يزيد عطاءها من بيت مال المسلمين. وأثناء حديثها، مال ابنها على لعبة كانت في يد ابن الخليفة فخطفها منه، ولما حاول ابن الخليفة استرداد اللعبة لطمه ابن المرأة السائلة، فسالت دماء من وجهه.
وكأي أم، هرعت زوجة الخليفة إلى ابنها، فضمته وداوته، وانفجرت صارخة في المرأة وطفلها.
نظر عمر إلى وجه المرأة وابنها وقد أصابهما رعب شديد، فهدّأ من روعهما، وأخذ اللعبة من ابنه وأعطاها للصغير الفقير، وأمر لها بزيادة العطاء، ثم أخذ ابنه فقبّله وهدّأه، والتفت إلى زوجته وقال: «حنانيكِ، لقد روّعتِها وابنها».
ثم أكمل إصلاح الجدار وكأن شيئًا لم يكن.
أما الكاهن الشاب، فقد أحس أنه في حلم، لكنه تجرأ واقترب من الخليفة، ولما سأله عن شأنه قال:
سيدي، إني صاحب مظلمة لأهل سمرقند، جئت أشكو إليك قتيبة بن مسلم، وقد علمنا عدلكم فطمعنا أن تنصفونا. إن قتيبة أخذنا على غِرّة، وقد علمنا أن من عاداتكم أن تُنذروا القوم ثلاثة أيام، تخيّرونهم فيها بين الإسلام أو الجزية أو القتال.
قال عمر: «ليست عاداتنا، بل هو أمر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم».
قال الشاب: فإن قتيبة لم يفعل ذلك.
فأطرق عمر قليلًا، ثم أمر الكاتب، فكتب رسالة وختمها بختمه، ودفعها للشاب، وقال: «أعطِ هذه لوالي سمرقند، يرفع عنكم الظلم بإذن الله».
ثم عاد ليكمل إصلاح الجدار وكأن شيئًا لم يكن.
فمضى والي سمرقند رسالة الخليفة وقرأها، ثم قال للكاهن الشاب: «سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين. لقد أمرني أن أعيّن قاضيًا يقضي في مظلمتكم، وسأفعل، وموعدنا بعد يومين. فاذهب يا بني وائتِ الكهان والقادة من قومك، ولهم منا الأمان».
ثم أرسل في طلب قتيبة بن مسلم.
اجتمع الناس حيث تعقد المحاكمة، وجاء القاضي المسلم، ونادى الحاجب على كبير الكهان فتقدّم، ثم نادى على قتيبة بن مسلم، فأوقفه القاضي بجوار خصمه، ثم أمر القاضي الكاهن أن يعرض مظلمته.
فقال الكاهن: هذا قائدكم، قتيبة بن مسلم، دخل بلادنا دون إنذار. كل البلاد أعطاها خيارات ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، أما نحن فأُخذنا بالخديعة.
التفت القاضي إلى قتيبة وقال: ما تقول في هذه الشكوى؟
قال قتيبة: أصلح الله القاضي، الحرب خُدعة، وهذا بلد شديد البأس، وكان عقبة أمام الفتح، وقد علمت أننا إن اقتتلنا سالت دماء الفريقين كالأنهار، فهداني الله إلى هذه الخطة، وبهذه المفاجأة حمينا المسلمين من أذى عظيم، وحقنّا دماء أعدائنا، نعم فاجأناهم، ولكن أنقذناهم وعرفناهم الإسلام.
قال القاضي: يا قتيبة، هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟
قال قتيبة: لا، لم نفعل.
فقال القاضي: يا قتيبة، لقد أقررت، وإذا أقرّ المدّعى عليه انتهت المحاكمة.
يا قتيبة، ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين، ومن أعظم الدين اجتناب الغدر وإقامة العدل. والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهادًا في سبيل الله، وما خرجنا لنملك الأرض ونحتل البلاد ونتسلط فيها بغير حق.
ثم أصدر القاضي أعجب حكم صدر في تاريخ البشرية، وقال:
حكمت أن تخرج جيوش المسلمين جميعًا من سمرقند خفافًا كما دخلوها، خلال ثلاثة أيام، ويُردّ البلد إلى أهله، ويُعطون الفرصة ليستعدوا للقتال، ثم يُنذرون ويُخيّرون بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإن اختاروا الحرب كان القتال، وذلك تطبيقًا لشرع الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
الدهشة التي تملكت كل من يسمع القصة الآن، هي ذاتها التي تملكت أهل سمرقند وهم يسمعون ذلك الحكم التاريخي الخالد. جيش غازٍ ملك البلاد واستتب له الأمر، ثم يأمرهم قاضيهم أن يرحلوا عنها لأنهم لم يطبقوا شرع الله.
أخذت الدهشة بمجامع أهل سمرقند جميعًا، وهم يرون المسلمين يرحلون خفافًا مسرعين. فما قضت الأيام الثلاثة إلا والمدينة خالية من أي مسلم.
اجتمع أهل سمرقند وقادتها وكهنتها في وسط المدينة، وهم لا يصدقون ما حدث، ثم تداولوا بينهم وقالوا: إن قضاءً هذا فعله لهو العدل المطلق، وإن دينًا يأمر أتباعه بمثل هذا لهو الدين الحق.
ولم يطل الأمر كثيرًا حتى أسلمت سمرقند عن بكرة أبيها، وحقق حكم واحد في القضاء الإسلامي العادل ما عجزت أكبر الفتوحات عن تحقيقه.