رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب:الرهان على المجرَّب أم الرهان على الدولة؟

سمو الأمير محمد بن سلمان،
هذا المقال لا يُكتب من موقع الخصومة، بل من موقع السؤال الصعب الذي تفرضه سنوات الحرب، وتراكم الفشل، وتدوير الوجوه ذاتها في المشهد اليمني. فبعد كل جولة سياسية أو عسكرية، يتغير الخطاب ولا تتغير الأدوات، وتتبدل العناوين بينما يبقى الجوهر واحدًا: نخبة تعيش على الامتيازات، وتخاف من شعوبها، وتغيّر ولاءها مع تغيّر اتجاه الريح.
أولًا: وهم إدارة التوازنات
الاعتقاد بأن الاستقرار يمكن صناعته عبر موازنة ولاءات متناقضة هو وهم مُكلف. فإدارة التوازنات قد تُجمّد الانفجار مؤقتًا، لكنها لا تبني دولة، ولا تُنهي حربًا، ولا تُنتج سلامًا قابلًا للحياة. اليمن ليس ملفًا أمنيًا فقط، بل مجتمع مكسور يبحث عن عدالة وكرامة ومؤسسات.
ثانيًا: تدوير النخب… إعادة إنتاج الفشل
النخب التي تُقدَّم اليوم بوصفها «شركاء الاستقرار» هي ذاتها التي فشلت في إدارة الدولة قبل الحرب، وراكمت الفساد خلالها، وتغذت على اقتصاد الصراع. هذه النخب لا تمتلك مشروع دولة، بل مشروع بقاء. وعندما تتغير موازين القوة، تتغير بياناتها، وتُعاد صياغة خطابها، بينما يبقى سلوكها واحدًا.
ثالثًا: الولاء المؤقت كسياسة دائمة
الرهان على الولاء المؤقت لا يصنع أمنًا طويل الأمد. فالولاءات التي تُشترى تُباع، والتحالفات التي تُدار بالامتيازات تنهار عند أول مفترق طرق. هكذا خسر اليمن سنوات، وخسرت المنطقة فرصًا، وخسر الداعمون سمعة الرهان الرابح.
رابعًا: أين الدولة في كل ذلك؟
الدولة لا تُبنى عبر وسطاء خائفين من الشارع، ولا عبر قيادات تعيش في الخارج وتفاوض باسم الجوعى. الدولة تُبنى عندما تكون السلطة مسؤولية لا غنيمة، وعندما يصبح القانون مرجعية لا أداة انتقائية، وعندما يُفتح المجال العام لقوى جديدة لم تتلوث بالحرب.
خامسًا: إدماج صوت الشارع
في قلب هذا المشهد، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، ويتحوّل في الشارع إلى خطاب مكثف:
سمو الأمير محمد بن سلمان، الرهان على نفس الوجوه الفاشلة في اليمن لن يصنع استقرارًا. هؤلاء لا ولاء لهم إلا للامتيازات، ويبيعون الجميع عند أول مفترق طرق. اليمن لا يحتاج وسطاء خائفين من شعوبهم، بل قيادات شابة من كل المناطق، همّها الوطن فقط. تجريب المجرَّب لا ينتج إلا خسائر متتالية.
وهنا لا يأتي الخطاب بوصفه هتافًا، بل خلاصة تجربة، تُختصر في وعي جمعي صار يُعبّر عن نفسه بوضوح:
هذه الوسوم ليست شعارات، بل عناوين أزمة، ومفاتيح حل.
سادسًا: البديل الممكن
البديل ليس فراغًا، بل خيارًا واضحًا:
فتح المجال أمام قيادات شابة عابرة للمناطق والطوائف.
إقصاء تجار الحرب من مسارات السياسة.
دعم مسار مؤسسي حقيقي لا يقوم على الأشخاص بل على القواعد.
نقل مركز الثقل من إدارة الوكلاء إلى تمكين الدولة.
سابعًا: كلفة الاستمرار في الخطأ
الاستمرار في الرهان على المجرَّب لا يعني الحياد، بل يعني الانحياز الضمني للفوضى. وكل سنة إضافية تُدار بالآليات ذاتها تعني مزيدًا من الاستنزاف، ومزيدًا من الكراهية، ومزيدًا من اللااستقرار العابر للحدود.
خاتمة
سمو الأمير،
التاريخ لا يُحاسب على النوايا، بل على النتائج. والاستقرار الحقيقي لا يُشترى بالولاءات المؤقتة، بل يُبنى بشراكة مع الشعوب. اليمن لا يحتاج إدارة أزمة، بل قرارًا شجاعًا بإنهاء عصر الوكلاء، وبدء مسار الدولة.
الرهان على الشعوب قد يكون أصعب، لكنه الرهان الوحيد الذي لا يخون.
لمن يهمه مستقبل اليمن واستقرار المنطقة، هذا النقاش ليس نخبويًا ولا مغلقًا، بل مفتوح أمام الرأي العام، لأن القرارات الكبرى لا تعيش في الغرف المغلقة، بل تُحاسَب في وعي الشعوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى