كتاب وشعراء

في نقد التقويل واستعادة التأويل: بيان العقل في مواجهة فقه الظلال… بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

أين هم فقهاء الحذف والإضافة؟ وأين خبراء غربلة المعنى من شوائب الادّعاء، وحراس الحدود الدقيقة بين النص وما أُلصق به زورًا؟ سؤالٌ لا يُطرح بوصفه حنينًا إلى ماضٍ معرفيّ، بل بوصفه صرخة عقل في زمنٍ أُنهك فيه المعنى، واستُبيحت فيه النصوص، وتحوّل التأويل من فعلٍ معرفيٍّ مسؤول إلى ممارسة سلطوية تُدعى «التقويل»؛ أي فرض القول على النص لا استنطاقه.
لقد شهد عالمنا العربي، عبر عقود متراكمة، تمددًا خطيرًا لسلطة التقويل على حساب التأويل. فالتأويل، في جوهره الفلسفي والهرمينوطيقي، هو فعل فهم، مشروط بالسياق، محكوم بالعقل، ومؤسس على قواعد اللغة والتاريخ والإنسان. أما التقويل، فهو فعل قسر، يُنتج المعنى قبل أن يقرأ النص، ثم يُسقِط هذا المعنى عليه إسقاطًا تعسفيًا، ليغدو النص شاهد زور على أفكارٍ لم يولد منها.
ومن هنا بدأ الخلل العميق: حين تداخل الأسطوري بالخرافي، وتزاوج اللاعقلاني بالسياسي، وانصهرت العقيدة بالسلطة، ففُقدت الحدود الفاصلة بين المقدس بوصفه قيمة أخلاقية، والمقدس بوصفه أداة قمع. لقد صار النص الديني، في كثير من السياقات، حقل تجارب لخيالٍ منفلت، تُستخرج منه الفتاوى كما تُستخرج الأساطير من ليلٍ بلا نجوم، لا ضابط لها سوى مصلحة فئة، ولا معيار يحكمها سوى منطق الغلبة.
إن أخطر ما في هذا المسار، ليس فقط تشويه النص، بل تشويه العقل الجمعي. فحين تُصادَر أدوات الفهم، ويُلغى السؤال، ويُجرَّم الشك المنهجي، يتحول المجتمع إلى كتلة قابلة للتفكيك، ويصبح الوعي سهل الاختراق. وهنا تتسلل قوى الاستيطان الأيديولوجي والعقيدي، لا بوصفها غريبة، بل بوصفها «مؤوِّلة» زائفة، تدّعي الحراسة وهي تمارس المصادرة، وتتكلم باسم الجماعة وهي تخدم قلّة متغوّلة على حساب الكل.
لقد كان تسييس الدين وتديين الدولة الثغرة الكبرى التي نفذت منها ظلمات التقويل. فحين تُنزَع الدولة من حيادها المدني، ويُنزَع الدين من أفقه القيمي، تتأسس فجوة معرفية وأخلاقية، يتسلل منها فقهاء الظلام، مسلّحين بخطاب يقينيّ، لا يعترف بالتعدد، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يرى في الإنسان إلا تابعًا أو خصمًا.
من هنا تتجلى الحاجة الملحّة إلى ما يمكن تسميته «فقه الحذف والإضافة»؛ لا بمعناه العبثي، بل بمعناه النقدي المسؤول. حذف الزوائد الأسطورية التي تراكمت حول النص حتى خنقته، وإضافة أدوات العقل والمنطق والمنهج العلمي إلى عملية الفهم. فليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما قيل تفسيرًا، وليس كل ما شُرح فهمًا. إن الغربلة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لحماية المعنى من التعفن، وحماية المجتمع من التشرذم، وحماية الدين من أن يتحول إلى أيديولوجيا عنف.
إن هذا المشروع ليس مستحيلًا، ولا طوباويًا. فالتاريخ الإنساني يثبت أن الأمم التي امتلكت شجاعة النقد، وأعادت الاعتبار للعقل، وحرّرت النص من الاحتكار، استطاعت أن تنتقل من الفوضى إلى النظام، ومن الأسطورة إلى المعرفة، ومن الانغلاق إلى الأفق الإنساني الرحب. غير أن ذلك مشروط بوجود نخبة فكرية شجاعة، لا تخشى كسر الأصنام الرمزية، ولا تساوم على الحقيقة، ولا تخلط بين الإيمان والوصاية.
في المحصلة، ليست معركتنا مع النص، بل مع من صادره. ليست مع المقدس، بل مع من دنّسه بالتقويل. وليست مع التراث، بل مع تحويله إلى سجنٍ للعقل بدل أن يكون جسرًا للفهم. إن استعادة التأويل، بوصفه فعلًا عقلانيًا وإنسانيًا، هي الخطوة الأولى نحو الخروج من متوالية الاستيطان السوداء، ومن حالة التشتت والضياع، ومن خلط حابل الحقيقة بنابل الوهم.
وحين يعود العقل معيارًا، والمنهج ميزانًا، والإنسان غاية، آنذاك فقط يمكن للنص أن يستعيد طهره، وللمعنى أن يستقيم، وللمجتمع أن ينهض من تحت ركام الخرافة إلى أفق الحرية والوعي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى