كتاب وشعراء

يؤلمني إنكِ لا تدركين ما أنا فيه….بقلم محب خيري الجمال

يؤلمني إنكِ لا تدركين ما أنا فيه
عزيزتي ضوء،
أنا لا أكتب إليكِ، أنا أُنزف.
كل جملة مني شريان،
وكل فاصلة جرح،
وكل كلمة جدار يسقط فوق رأسي ولا أهرب.
أمسِ كنتُ أفتح صدري لأرى ما تبقّى بداخله،
فوجدتُ طاولة صغيرة
يجلس عليها رجل يشبهني،
يمضغ ظلّه ويشرب ماءً أسود
ويكتب في مفكّرة غير مرئية:
لقد تأخر الضوء كثيرا،
سنصبح نحن العتمة التي خُلقت لتُرعب العتمة نفسها.
أنا لا أحتاج قلبا آخر،
قلبي وحده يكفي لإيواء ألف مجاعة
وألف مدينة مفجوعة
وأربعة عشر كوكبا جائعا للمعنى.
عزيزتي ضوء،
أحيانا أتكوّر كجثة تحت المطر،
ليس لأن العالم يوجعني،
بل لأن قلبي أوسع من جسدي
وأضيق من أن يحتمل نبضة واحدة أخرى منك.
أفتح نافذتي فتدخل ريحٌ تشبه صفير مراهق مكسور،
وتسألني: هل ما زلتَ حيا؟
أم أنك تحيا على طريقة من ينام في فم الثعبان ويبتسم؟
عزيزتي ضوء،
أنا خائف لكني لا أهرب،
وأنا موجوع لكني لا أصمت،
وأنا ميت لكني لا أتوقف عن الكتابة،
أكتب لأن صوتي يشتهي أن يتعثر فيكِ،
أن يسقط في ركبتيكِ كرضيعٍ يخاف أن يكبر.
عزيزتي ضوء،
أنا لا أريدك لتربحيني،
أريدكِ لتخسري العالم من أجلي،
لتدوسي على الوقت بقدمين مرتجفتين،
وتقولي للسماء: هذا الرجل ليس عاشقا،
هذا ثقبٌ أسود يبتلع كل شيء إلا من يحبه.
عزيزتي ضوء،
أحيانا أرى أنفاسي تخرج من فمي
بهيئة طيور مذعورة، تصطدم بالجدران، تصرخ،
ثم تركض نحوك كما لو أنكِ وطنها الأخير.
صوتكِ
يا الله،
صوتكِ حين أتخيله فقط
يصير حجارةً في دمي، يعلو، ثم ينهار،
ثم يعيد بناء نفسه من رماد الأيام
ليقول لي بدون أن ينطق: لن تنجو مني.
عزيزتي ضوء،
أريد أن أقول لك شيئا لا يليق بالحكماء:
أحيانا أكره الحكمة،
أكره اكتمال الصورة،
أريد أن أعيش مبتورا،
شبه رجل،
نصف قلب،
ثلث روح،
أحتاج شيئا من الجنون الخالص،
شيئا يشبه أن أكتب اسمك على صدر السماء
بسكين ساخنة ثم أضحك.
عزيزتي ضوء،
لو جمعوا حزني في صندوق،
لأصبح دولةً مستقلة لها نشيد وطني
وعملة محروقة وبرلمان من الوجوه التي تركتني
ونخبة من العصافير تشرّع قوانين البكاء.
عزيزتي ضوء،
أنا لا أريد أن أشفى،
أريد فقط أن أراكِ وأنا في أسوأ فوضاي،
أريد أن أرتجف أمامك كقنديل مكسور
وتقولين لي: ابقَ هكذا
أحبك حين تكون خرابا.
عزيزتي ضوء،
أنا لا أكتب الآن نصًا،
أنا أفتح بابا في رأسي
وأرمي إليكِ كل العاوِيات داخلي،
أطلق الجنون بلا لجام،
أترك الكلمات تركض حافية،
وتصعد إلى سطح روحي لتصرخ:
انظري إليّ أنا أحترق بكِ،
ولا أريد مطفأة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى