كتاب وشعراء

أنا الذي لم ينتبه له أحد…..بقلم محب خيري الجمال

أنا لستُ فقيرا،
الفقرُ ما يزال يملك ما يخسره.
أنا ما بعد الفقر،
الدرجة التي تسقط منها الأسماء
ولا يلتفت إليها أحد،
وأنا أحد تلك السقوطات الصامتة.
أمشي والخراب يتبعني كظلٍّ مكسور،
أمرّ بين الناس
كما تمرّ الفكرة الجيدة في رأسٍ مزدحم،
أدلّه على صدري فيتعلم العواء.
لا عمل لي، لأن العالم يطلب أيدٍ بلا قلوب،
وأنا قلبي يفضحني عند أول باب.
ولا بيت لي، لأن الجدران لا تنتبه لمن لا يحمل عنوانا،
وأنا عنواني غياب.
أنا من سلالة الطرق، لكن الطريق نفسه تجاوزني
كأنني تفصيل زائد في المشهد.
أشرب قهوتي باردة كالكلام الذي يُقال ولا يُسمع،
وأكتب لأن الصوت حين يُهمَل يتحوّل إلى كتابة.
كانوا يمرّون بجانبي
كما يُمرّ على شيء مألوف حدّ النسيان،
يلوّحون بحياتهم المضيئة
وأنا أواصل النزول إلى داخلي دون شاهد.
تآكل وجهي حتى صار يشبه وجوه الذين
لا تُحفظ ملامحهم،
الذين إذا غابوا لم يُنقَص العالم واحدا.
أخاطب العالم لأنني اختفيت فيه كثيرا
حتى صرت شفافا.
النار وحدها انتبهت إليّ، لذلك تركت أثرها في لغتي.
طوبى للذين ناموا على معدٍ فارغة
ولم ينتبه إليهم أحد.
طوبى للذين عبروا الحياة خفافا
لأن أحدا لم يطلب أسماءهم.
وطوبى لمن خسر كل شيء
فاكتشف أن العدم أكثر وفاءً من الضوء العابر.
أنا لا أطلب ميزانا
فالميزان لا يرى من يقف في الظل.
ولا أطلب يدا ، فالانتباه عملة نادرة.
أطلب فقط أن يُسجَّل هذا الوجع في الهامش،
أن يُشار إليّ ولو خطأ،
كأن يُقال يوما: مرّ هنا إنسان لم ينتبه له أحد،
فترك وجعه ينوب عنه في الحضور.
لكن انتبه جيدا،
أنا لا أطرق الأبواب ولا ألوّح بدمعي.
أنا أتعفّن ببطء في زاوية المشهد
حتى أفسده كله.
حين أسقط، لا أُحدث ضجيجا،
غير أن الأرض تتغيّر قليلا بعدي.
وحين أموت وهذا يحدث كل يوم
لا تُنكّس الرايات،
بل تتأخر الشمس ثانيةً وكأنها تراجع حساباتها.
أنا الذي لم ينتبه له أحد،
لا لقصيدة، أو قصة، أو رواية، أو لدمعة تخربش جدار الوجع،
لكنني كل هذا الخراب الصغير
الذي يجعل العالم غير قادر على الادّعاء أنه بخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى