
ترمب يمثل حقبة انتقالية بشخوصها ومؤسساتها ، وليس فقط هويً شخصياً متهوراً حيناً ومجنوناً أحياناً أخري كما يبدو لنا .
فهو يدير في الواقع حرباً اقتصادية في إطار جيوسياسي ، زادها حدة وصخباً أسلوبه كرجل أعمال لا يكترث بنظام أو بقيم أخلاقية أو مهنية .
ترمب يدرك أن عصر الهيمنة الأمريكية إلي أفول ، وأن شمس الدولار ونظامه النقدي الظالم ستغيب ولو بعد حين.
ومعول هدم هذا النظام يأتي في المقام الأول من داخل النظام الأمريكي ذاته وسياساته الإقتصادية وانعكاساتها السياسية علي مختلف مناطق المنافسة والتوتر والصراع في العالم .
ولكن معول هدم جديد برز في السنوات الماضية تقوده الصين التي تسعي منذ سنوات للتحرر من النظام النقدي العالمي الراهن الذي يخدم في المقام الأول والثاني والثالث مصالح أمريكا .
ولهذا ، فقد بدأت الصين ومنذ عشرين عاماً أو يزيد في التحرر تدريجيا وبهدوء من الاعتماد الكامل علي أذون الخزانة الأمريكية في احتياطياتها النقدية .
وانخفضت أرصدتها الدولارية ( الورقية) الآن بمقدار الثلث واستبدلتها بالذهب وتوسيط عملتها اليوان في المبادلات التجارية والاستثمارية .
وسيتواصل هذا الإنخفاض بذات الوتيرة الهادئة ، خاصة بعد خطأ أمريكا وأوربا التاريخي بتجميد الأرصدة الروسية في أوربا وأمريكا بعد اندلاع حرب أوكرانيا ، واستيعاب الصين لهذا الدرس جيداً .
جزء من الرد الأمريكي علي هذا التوجه الخطير والذي بدا متهوراً بسبب رعونة وحماقة ترمب كان الضغط الشديد علي الدول التي بدأت تفكر في بدائل أخري للخروج من عباءة الدولار ومنها دول البريكس والسعودية ودول الخليج .
وفي ذات الإطار اللعب أيضاً بورقة الرسوم الجمركية ، ومعها بالقطع تحركات مدروسة لتجفيف منابع إمدادات الصين من الطاقة . وها نحن نشاهد سيطرة أمريكا علي البترول الفنزويلي ، والضربة الأمريكية المتوقعة لإيران والسعي لإستبدال نظام الملالي بنظام موال لأمريكا يحرم الصين من حوالي ١٥٪ من احتياجاتها من الطاقة .
ومن هنا ، فإن وقود المرحلة الثانية الوشيكة من الحرب العالمية الثالثة التي تدور رحاها الآن هو الإقتصاد وخاصة السيطرة علي موارد الطاقة والمعادن النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية المتقدمة ، وطرق الإمداد والتجارة العالمية .
وأعتقد أن هذه الحرب كانت ستتم وبصرف النظر عن ساكن البيت الأبيض .
ولعل الفارق الوحيد هو أن الساكن الحالي قد سرَّعَ وتيرتها وزادها وضوحاً وحرارة واشتعالاً بحماقاته وعدوانيته وانتهازيته .
وتبقي الضحية هي كالعادة وكما حكي لنا التاريخ دوماً المواطن في كل مكان وحتي داخل أمريكا ذاتها .
فمن يدفع أثمان انهيار العملة وندرة المنتجات وتعثر خطوط النقل والإمداد وارتفاع معدلات التضخم والبطالة سوي المواطن ؟ .. فهو الحلقة الأضعف في سلسلة النظام العالمي .