رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الحياة ليست عبور حقل

كُتب على الشاهدة الرخامية لبوريس باسترناك: “الحياة ليست نزهة في حديقة” وترجمتها الروسية الحرفية: “عَيشُ الحياة ليس كمثل عبور حقل” وهو مثل شعبي روسي، بناء لوصيته وهو مقطع من قصيدة له بعنوان” هاملت” التي كانت جزءا من روايته الكبيرة” الدكتور زيفاغو” التي حصل عليها جائزة نوبل عام 1958.
لكن بسبب حملة التشهير عليه من الكتاب السوفيت والحزب وطرده من اتحاد الادباء لان الرواية فسرت على انها نقد للنظام، رفض استلام جائزة نوبل وقرر العزلة في قرية ريفية وعندما مات دفنه عدد من ريفيي المنطقة وقد استعاروا شريط كاسيت لموسيقى جنائزية للموسيقار باخ وهم يحملون الشاهدة الرخامية.
التربية الحالمة تبني سياجاً من الخيال والوهم في ان الحياة نزهة في حديقة بلا منعطفات ولا صدمات ولا تعثر وتربط السعادة بغياب الألم أو الفشل.
غياب ثقافة التعثر والصدمة تفقد الانسان مرونته ومناعته من الانهيار في مواجهة عائق او فشل او خيبة مع انها فرص للتأمل واعادة النظر وتغيير زاوية النظر للتجربة .
ليست هناك مشكلة في أن يفشل الفرد لكن المشكلة في كيف يفشل وفي حالات يكون التعثر قد كسر أوهاماً ضخمة وتحول الى نمو ونضج وعبور الى مناطق وأمكنة وأشخاص أكثر أماناً ودفئاً. الفشل ليس حائطاً بل تغيير مسار لأن عدم الفشل يخلق وهم النجاح المستمر الذي سيتحطم من أول اخفاق عابر.
المشكلة أيضاً في العناوين الضخمة الخاطئة كالنهاية والمأساة والكارثة لتجربة فشل وهذه” الحدود القاطعة” في تحويل التجربة الى مأساة من نتائج ثقافة ان الحياة نزهة في حديقة وعبور حقل. العناوين القاطعة تحول الألم العابر الى معاناة أو الى وجع. الألم موضعي زائل لكن الوجع شامل ويشل طاقة الحياة.
النجاح المثالي وربطه بالارقام لا بالجهد والسعي والمحاولة يحول حتى النجاح العادي الى فشل لكن النجاح المدرسي أو الوظيفي مثلاً ليس نجاحاً في الحياة . هوس الكمال يحول الفرد الى مشروع حطام قادم في أول منعطف فشل أو خسارة.
كيف واجه باسترناك تلك الحملة الضارية من الجميع، من الحزب والدولة واتحاد الكتاب السوفيت والطرد والعزلة؟ منع من النشر لكنه لجأ الى ترجمة شكسبير وغوته وريلكه الى الروسية. لجأ الى العمل الصامت. عمل في زراعة الحقل وفي تأسيس حديقة والمشي طويلاً في الغابات والأهم من كل ذلك يقينه بزوال اللحظة وشعوره ان المستقبل معه كما في عبارته:” أنا أنتمي الى المستقبل” .
رغم العزلة والتغييب والمنع والمصادرة لكن بعض الأصدقاء، الحلقات الصغيرة، ظلوا أوفياء حتى النهاية كالشاعرة آنا أخماتوفا التي تواصلت معه رغم كل المخاطر وكانت تزوره في عزلته، وأخماتوفا ملقبة بأرملة روسيا الحزينة التي أعدم زوجها وسجن ابنها الوحيد ومنعت من النشر ووصفت بأقذر الألقاب التي لا يمكن ذكرها من باب الحياء.
كانت تقف في الطابور للسؤال عن ابنها عندما سألتها امرأة تعرفها:” هل تستطيعين وصف هذا؟” أجابت بثقة” نعم أستطيع”.
ليست اجابة عابرة بل هو التحديق في وجه الشر.
لا أحد يعرف الآن أسماء أعداء باسترناك ولا أخماتوفا، حتى النظام سقط. المعركة لم تحسم بالمنع والمصادرة بل بمن عاش أطول في الذاكرة.
هكذا تحول الألم، المنعطف، الى نموذج وقدوة ومنارة وكانت المحن والتحديات والمصائب من جعل روايات باسترناك وقصائد أخماتوفا باقية.
كافأتهم الحياة بالخلود وكافأت الخصوم بالنسيان. الحياة تعاقب لان مصفاتها دقيقة جداً وهي تسمح بالعبور الى زمن آخر لمن لا يعتقدون ان الحياة نزهة في حديقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى