رؤي ومقالات

علاء عوض يكتب : ايام ترامب الصعبة بدأت بعد دافوس

لماذا ايام ترامب الصعبة بدأت بعد دافوس؟ ولماذا حرك حاملات الطائرات صوب إيران رغم انه لن يقصفها ؟
هل سيزور ترامب انتخابات الكونجرس القادمة ؟ ما هو المرض العقلي الذي يجعل ترامب يهذي؟
أيسلندا تحبني… نادوني بابا… قالوا: هو والدنا، هو من يديرها».
بهذه الجملة العبثية، لا السياسية، افتتح دونالد ترامب ظهوره في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، يناير 2026. لم تكن زلة لسان عابرة، ولا نكتة ثقيلة الظل، بل كانت إعلانًا غير مباشر عن انهيار الخطاب، وربما عن ما هو أعمق: فقدان السيطرة على الإدراك السياسي نفسه.
الخلط الفجّ بين أيسلندا وجرينلاند، تكرار ادعاءات عن مفاوضات لم تحدث، سيل من المعلومات الخاطئة حول ملفات دولية حساسة، لم يكن خطأً تقنيًا، بل نمطًا متكاملًا من الارتباك. نافذة مفتوحة على عقلٍ لم يعد يميّز بين الجغرافيا والخيال، بين السلطة والهلوسة.
الخطاب الذي امتد 72 دقيقة كان محنة جماعية. أفكار لا تُستكمل، جُمل تُعاد بلا معنى، تناقضات حادة حول أوكرانيا، وانفعالات شخصية تُدار كأنها سياسة دولة.
ترامب لا يخلط فقط بين جرينلاند وأيسلندا، بل يخلط بين الدولة والذات، بين الرغبة والقرار.
في مشهد كاشف، يسحب دعوته لرئيس وزراء كندا للانضمام إلى “مجلس السلام الدولي” لمجرد أن الأخير انتقده. هكذا، في دافوس، لم تعد الدبلوماسية تدار بالمصالح، بل بالمزاج.
عالم خيالي على المسرح الدولي
ترامب بدا كمن يعيش في كونٍ موازٍ:
الحقائق مرنة، السيادة قابلة للمساومة، والقرارات تُتخذ لحظيًا.
بعد لقائه أمين عام حلف الناتو، ادّعى التوصل إلى اتفاق يمنحه السيادة على جرينلاند. دقائق فقط، ليخرج أمين الحلف نافيًا، ثم تعلن الدنمارك بوضوح قاطع:
جرينلاند دنماركية، والسيادة غير قابلة للتفاوض.
هنا يظهر التناقض القاتل:
بين صورة “القائد الحاسم” التي يروّجها فريقه، وواقع رجلٍ يتكلم بثقة مطلقة… عن أشياء لم تحدث.
عدد من المحللين والمتابعين بدأوا يربطون هذا السلوك بمؤشرات مرض الخرف الجبهي الصدغي؛ اضطراب لا يبدأ بفقدان الذاكرة، بل بـ:
تغيّر السلوك وضعف الحكم علي الأمور و الاندفاع
و كلام متفكك ومكرر
ودافوس كان مختبرًا حيًا لهذه الأعراض.
المشهد الافتتاحي للمؤتمر
عندما وصل ترامب إلى دافوس لم يجد احد في انتظاره . لا حفاوة. لا تصفيق.
فأمر مساعدوه أن يفرشوا له السجادة الحمراء بأنفسهم، في لقطة أقرب إلى كوميديا سوداء تُدار لإرضاء غرورٍ جريح.
ثم بدأ الانهيار كلما تحدث فهو أكثر من مرة
يخلط بين جرينلاند وأيسلندا.
يروي قصة خيالية عن “عائلة تويوتا” التي تمتلك 92% من الشركة، بينما الحقيقة أن اسم العائلة “تويودا”، ونصيبها لا يتجاوز 2%.
أرقام كاملة، قصة كاملة، ثقة كاملة… وكلها من وحي الخيال.
في حلقة “نوتليك التي نظمت في دافوس قرر ترامب أن يصبح خبير طاقة عالميًا في خمس دقائق: فقال
“الطاقة النظيفة يجب تخزينها في بطاريات”.
وسط ذهول من غير المتخصصين، وانهيار أعصاب المتخصصين.
سؤال واحد يتردد همسًا: من دعاه؟ ولماذا لم نمنعه؟
النتيجة؟ انسحاب كريستين لاغارد مسؤولية البنك المركزي الأوروبي.
إلغاء عشاء رسمي برعاية بلاك روك.
ضيوف يقولون بوضوح:
لن نحضر إذا كان ترامب هناك.
في مسار اخر يتحدث ترامب و
يدّعي بناء مصانع فولاذ في كل أمريكا منذ أن وصل للحكم
بالبحث ترامب يكذب ولا مصنع واحد قيد الإنشاء.
يهاجم الناتو، يقلل من تضحياته في أفغانستان، متجاهلًا مقتل 1127 جندي من الحلف.
وبينما يسخر من شخصيات عالمية – مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظارته السوداء ، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني وخطابه القوي الذي انتقد فيه ترامب ، وحاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول
، يتغزل في نفسه، يصرّح: «أنا ديكتاتور» و بينما يعلن عن تشكيل مجلس سلام برئاسته يصرح في دافوس قائلا «السلام مدمّر»
ثم يغضب لأن النرويج لم تمنحه نوبل، ويقول:
«لم أعد ملزمًا بالتفكير في السلام».
مشاهد جنون جعلت أمريكا تصاب بالقلق
لتأتي الانتقادات من الداخل عبر تصريحات كاشفة عن حالة ترامب العقلية
عضو الكونغرس جاريد هوفمان قالها بلا مواربة:
«لدينا رجل مجنون في البيت الأبيض، يدير أكبر عملية احتيال إجرامية فاسدة في التاريخ الأمريكي».
قد يبرر البعض ذلك بالانتماء الحزبي.
لكن ماذا عن تاي كوب، محامي ترامب السابق في البيت الأبيض؟ الذي أكد أن
«ترامب مختل عقليًا. نرجسيته خرجت عن السيطرة. من حوله إما في إنكار، أو متشبثون به لدرجة العمى».
هنا لم يعد الحديث سياسيًا، بل وجوديًا.
وعلي مستوي اداءه في الحكم كل ما وعد به ناخبيه تبخر فقد
وعد بخفض أسعار الطاقة… فارتفعت الفواتير 6.7%. خلال العام الأول من حكمه و انخفضت مبيعات المنازل المعلقة بنسبة 9.3% على أساس شهري أمس؛ وكان السوق يتوقع انخفاضاً بنسبة 0.3%. وباستثناء تأثير جائحة، كورونا يُعد هذا أسوأ أداء منذ الركود الكبير. لا شيء يُشير إلى هبوط سلس ناجح مثل انهيار سوق العقارات…
بينما هكذا يعاني الشعب الأمريكي ويعاني انقسام حاد بسبب سياسة ترامب الداخلية خاصة في مجال مكافحة الهجرة .
وعالميا بات العالم يسخر منهم بسبب جنون ترامب وهكذا أصبح الحال عالم يسخر… وشعب مرهق
في المقابل، عائلة ترامب تجني ما يقرب من 1.4 مليار دولار خلال عام واحد من الرئاسة، وفق نيويورك تايمز، وتأكيدات CNN.
وحين تُظهر الاستطلاعات بعد عودته من دافوس أن ثلث الأمريكيين فقط يؤيدونه، يصرخ: «استطلاعات الرأي جريمة جنائي يجب أن يعاقب كل من يروج أن شعبيتي انخفضت .
ما جرى في دافوس لم يكن زلة لسان لترامب ، بل إنذارًا حضاريًا.
فحين يتحول أكبر منتدى اقتصادي في العالم والفرصة الأخيرة لإنقاذ النظام الدولي ..
إلى مسرح هذيان،
فالمشكلة لم تعد في ترامب وحده، بل في انصاره من اليمين الأبيض المتطرف الذين يغفرون له
لماذا أنصاره يغفرون له؟
بعض الأنصار الإنجيليين يرونه شخصية مثل الملك داود، في الكتاب المقدس الذي تجاوز الوصايا وارتكب الذنوب لكنه حقق “رسالة إلهية”.
الولاء العاطفي والرمزية الدينية تجعلهم يغفرون له الفساد المالي والسياسي، ويبررون أي سلوك خاطئ.
الواقع أن هذا الولاء يسمح لدائرة ترامب الفاسدة باستغلال مرضه للحصول على أرباح شخصية ضخمة، ما يجعل الموقف مربكًا داخليًا وخارجيًا في نفس الوقت.
فهو يحرك الأسطول البحري وحاملات الطائرات صوب إيران ليربحوا هم من ارتفاع أسعار الذهب ويهرب هو من فضائحه العقلية في موتمر دافوس . مشهد استعراضي يؤكد أن الهدف ليس إيران بل الهاء العالم عن جنون ترامب بينما انصاره يقولون انه كورش الوثني الذي أرسله الرب لينقذ إسرائيل.
وهنا الكارثة فبنما يفكر الشعب الأمريكي فكيفية التخلص منه
قبل أن يشعل حرب أهلية في أمريكا. وحرب عالمية
يخشي أن يزور ترامب انتخابات تجديد الكونجرس هذا العام حتي يظل محتفظ بالاغلبية ويمضي هو في تشكيل مجلس السلام العالمي الخاص ليحكم العالم .
التاريخ يحفظ هذا المشهد جيدا
في روما، حين فقد كاليجولا عقله، لم يكتفِ بالحكم… بل عيّن حصانه عضوًا في مجلس الشيوخ.
واليوم، في واشنطن، يبدو أن الحصان لم يُعيَّن بعد…
لكن السرج جاهز، والمسرح مهيأ،
في دافوس، لم يعلن ترامب ألوهيته، لكنه أعلن امتلاك ما لا يملك: سيادة على جرينلاند، اتفاقات لم تُوقَّع، أرقام لم توجد. وكما كان كاليجولا يرى البحر خاضعًا له فأمر جنوده بجمع أصدافه كغنائم حرب، رأى ترامب العالم ساحة شخصية، تُدار بالانفعال، وتُعاد صياغة الجغرافيا فيها بخطاب مرتجل.
المفارقة القاتلة أن كاليجولا لم يسقط لأن روما ثارت عليه، بل لأن النظام نفسه أدرك أن استمرار هذا الجنون يعني نهايته. فحين يتحول الحكم إلى مسرح، ويصبح القرار نكتة، لا يعود الخطر في الحاكم وحده، بل في الصمت الذي يحيط به.
دافوس، بهذا المعنى، لم يكن مجرد مؤتمر خرج عن السيطرة، بل لحظة تاريخية تذكّرنا بأن الإمبراطور لا يبدأ سقوطه حين يُقتل، بل حين يُضحك العالم عليه… ويواصل الحكم كأن شيئًا لم يحدث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى