رؤي ومقالات

أسامة الهتيمي يكتب :سقوط نظام طهران بين ديناميات الداخل وحسابات الخارج “1 – 2”

يبدو أننا مدفوعون مجددا إلى تكرار ما كنا ذكرناه مرارا من أن نجاح أية ثورة يحتاج إلى توافر ثلاثة عوامل رئيسية: الأول هو وجود الدوافع لاندلاع هذه الثورة على أن تكون الدوافع متعددة اقتصادية وسياسية وأيدلوجية وثانيا وجود النخبة التي يمكن أن تقود هذه الثورة وأن تلتف حولها الجماهير فهي التي تخطط التحركات وتحدد الأهداف المرحلية وخارطة المستقبل وثالثا أن يصل النظام السياسي المستهدف إلى حالة مبالغ فيها من الثقة في الذات فتصل به إلى حالة “الأنتخة” ومن ثم التغافل الأمني.
ولو أننا أسقطنا هذه العوامل الثلاثة من مستواها النظري إلى الواقع على ما يجري في إيران فإننا يمكن أن نقول إن العامل الأول توفر ومنذ عقود بعد أن فشلت الثورة الخمينية في تحقيق أيا من أهدافها الاقتصادية والسياسية وهو ما دفع الجماهير الإيرانية إلى أن تعبر عن غضبها مرات ومرات وإن اختلفت قوة وزخم هذا التعبير ففي العام 1999 مثلا وما عرف بانتفاضة الطلاب الذين خرجوا في تظاهرات احتجاجا على إغلاق صحيفة “سلام” الإصلاحية في عهد الرئيس محمد خاتمي تركزت الشعارات والمطالب آنذاك على المزيد من حرية الرأي والتعبير فيما اقتصر الحراك على جامعة طهران والمدينة الجامعية لطلاب الجامعة وهو ما ساعد قوات الشرطة في إجهاضها بعد أن قتلت نحو 5 أو 6 طلاب .
وزاد زخم الاحتجاجات عام 2005 عندما تم تسريب وثائق من مكتب الرئيس خاتمي حول خطة حكومية لتغيير ديموجغرافي في إقليم الأحواز غير أنه سرعان ما تم إجهاض هذا الحراك أيضا بعد مقتل واعتقال المئات.
وجاءت احتجاجات عام 2009 والتي قادها ما عرف بقادة الحركة الخضراء “مير حسين موسوي – مهدي كروبي” على خلفية تزوير الانتخابات لصالح أحمدي نجاد أكثر اتساعا وأكثر كشفا عن الواقع السياسي الإيراني والتي يمكن أن نصفها ورغم نخبويتها بأنها كانت صفارة بدء التجرؤ على النيل من النظام السياسي الإيراني.
ثم اندلعت احتجاجات جديدة نهاية 2017 امتدت لعام 2018 كانت أسبابها اقتصادية بحتة حيث الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية وفي مقدمتها بيض المائدة غير أنه وبعد مدة زمنية قصيرة اختلطت فيها المطالب الاقتصادية بالسياسية .
وتكرر نفس المشهد وإن كان بشكل أكثر حدة في احتجاجات 2019 التي اندلعت إثر ارتفاع أسعار الوقود حيث اتسعت رقعتها لتشمل نحو 100 مدينة وتسفر عن مقتل أكثر من خمسمائة مواطن فضلا عن اعتقال الآلاف فيما كانت شعارتها ومطالبها السياسية والأيدلوجية أكثر وضوحا.
وفي عام 2022 كانت الانتفاضة الشعبية الجامحة نتيجة مقتل الشابة الكردية “مهسا أميني” والتي اختلتطت فيها المطالب السياسية بالاقتصادية بالدفاع عن حق المرأة في اللباس فضلا عن استهداف ما يسمى بشرطة الأخلاق.
ولعل الشاهد في كل ذلك أن الأوضاع في إيران سواء كانت الاقتصادية أو السياسية تحتشد بالكثير من الدوافع القوية التي تدفع الشارع الإيراني إلى أن يكون دائما على صفيح ساخن وأن يكون مستعدا وباستمرار إلى الخروج للتعبير عن مطالبه وتطلعاته التي يبدو أن النظام الإيراني قرر ومنذ زمن أن يصم أذنيه عنها.
أما فيما يخص العامل الثاني لنجاح الثورة والمتعلق بوجود النخبة التي يمكن أن تقود هذا الحراك وتنظمه وتحدد خطواته فهو أحد أهم أوجه القصور التي تتسم بها الاحتجاجات في إيران فالمعلوم أن جميع قادة المعارضة الإيرانية خارج إيران فقد نجح النظام الإيراني ومنذ سنواته الأولى في أن يصفي ويقصي ويهمش كل صوت يمكن أن يكون مناوئا أو مختلفا مع النظام الخميني.
وفي قصص الخميني مع رفقاء الثورة سواء من داخل التيار الإسلامي الذي يدعي الانتماء له أو من الليبراليين أو اليساريين شواهد عدديدة على ذلك فقد قتل البعض وسجن البعض ونفى البعض.
وما قام به الخميني بحق الرفقاء كان رسالة للجميع من المعارضة أو حتى ممن يفكر بمعارضة النظام فحرص جميع قادة المعارضة على أن يغادروا إيران ومع ذلك فإن هذا لم يشفع للكثير منهم حيث قام النظام الإيراني باغتيالهم في الدول التي استقروا بها.
في هذا الإطار فإن أغلب الاحتجاجات التي شهدتها إيران كانت بلا رأس اللهم إلا حراك 2009 غير أنه كما أشرنا حراك نخبوي فضلا عن أن هؤلاء القادة ينتمون بالأساس لدائرة النظام السياسي بمعنى أنهم يحسبون على التيار الإصلاحي ولا يستهدفون إسقاط النظام السياسي أو النيل منه فيما أن النظام تعامل معهم بصلف شديد فحدد إقامي كل من موسوي وكروبي لسنوات طويلة.
وبشأن العامل الثالث المتعلق بثقة النظام في ذاته للدرجة التي يظن فيها أن أية معارضة هي مجرد عبث لا يمكن أن ينال منه أو يهدد استقراره وهو الأمر الذي لا يتسم به على الإطلا النظام الإيراني فعلى الرغم من كل ما يدعيه قادة النظام من القوة والقدرة على السيطرة إلا أن يرك من داخله بشكل يقيني أن التحديات التي تواجهه لا حصر لها وأنه يجب ان يكون يقظ وباستمرار لمواجهة أية محاولات لإسقاطه أو حتى لهزه.
ولعل ذلك ما يفسر لنا السبب وراء إصرار النظام الإيراني على اعتماد المقاربة الأمنية دون غيرها نهجا له في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية الكبيرة التي تندلع بين الحين والأخر أو حتى التظاهرات والإضرابات والفاعليات الفئوية التي تمتد بطول البلاد وعرضها.
كما يفسر الأسباب وراء الاهتمام البالغ بالأجهزة الأمنية المتعددة من شرطة وحرس ثوري والباسيج الذي يعطى من الصلاحيات ما يمكنه الل في حياة الناس وتوجيههم ومراقبة كل سلوك لهم.
بناء على ذلك فإن السيناريو الأقرب والمرجح هو أن تتعاطى هذه الأجهزة الأمنية بكل ما أوتيت من قوة وتجبر مع أي حراك بهدف إجهاضه دون النظر إلى حجم الضحايا الذين يمكن أن يتساقطوا نتيجة هذا البطش.
وربما دفع استقراء بعض المحللين لطرق تعامل الأجهزة الأمنية مع الحراكات الشعبية السابقة إلى القول بأنه من المحتمل ان تشهد إيران وفي إطار الرد على أحداث الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت نهاية ديسمبر 2025 ولم تزل مستمرة إلى ما يطلق عليه “لحظة تيانانمن” بما يعني أن النظام وصل إلى نقطة اللاعودة وقرر الحسم بالقوة مهما كانت الكلفة الأخلاقية أو السياسية.
ليس صعبا في ضوء ما سبق القول بأن الرهان على أن الحراك الشعبي الذي اندلع مؤخرا يمكن أن يسقط النظام هو قول يتماهى مع الأمنيات أكثر من استحضاره للواقع وقراءة ما حقيقة الأمور.
في الجزء الثاني من المقال نتناول بإذن الله الموقف الأمريكي من إسقاط النظام الإيراني وهل التدخل الأمريكي يصب في صالح هذا الحراك الشعبي أم لا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى