
السلام عليكم
من أشدِّ ما يثيرُ العَجَبَ ، ويدعو إلى الدَّهشَة أن الأمثال الشعبية ، أو الواحد منها يبدو في مَضرِبِهِ وعند التَّمَثُّلِ بِهِ ، وكأنه سحرُ ساحر ؛ حيثُ نراه – عند تصعيد الحوار بين اثنين أو جماعةٍ ما ، وفي لحظاتٍ سريعة – يَقْفِذُ من ذاكرةِ أحدِهم ، ويَحُطُّ على لسانِه ، ثم ينطَلِقُ في وجهِ المخاطبين ، وصَوْبَ مسامعِهم بما يتَّفقُ مع الموقفِ الراهن موضوعِ الحِوار كأنه البرقُ الخاطف ، أو السهمُ المارق ؛ فيؤكدُ معنًى ، أو يُبرِزُ قيمة ، أو يُبدِي إحساسًا ، وذلك دون إعدادٍ مُسبَقٍ من المُتمثِّلِ به ، وسُرعانَ ما يذوبُ وسط الكلام ، ويخبو ، وكأنه ( فُصّ مِلْحِ وْدَابْ ) ، حتى إذا جاء موقفٌ مماثل قام بنفس الدور السابق ، وإذا سألتَ صاحبَهُ عنه بعد برهةٍ قصيرةٍ من زمن التَكلُّم به صرَّحَ أنه لا يذكرُ عنه شيئًا ، وكأنه لم يتفوه به ، ولم يتعرف عليه من قبل .
– ويذكرني هذا الأمر العجيب بنظرية المثير الشرطي لـــ ( بافلوف ) التي تقوم أساسًا على عملية الارتباط الشرطي التي مؤداها أنه يمكن لأي مثير بيئي محايد أن يكتسب القدرة على التأثير في وظائف الجسم الطبيعية والنفسية إذا ما صوحب بمثير آخر من شأنه أن يثير فعلًا استجابة منعكسة طبيعية أو اشتراطية أخرى ، وقد تكون هذه المصاحبة عن عمد أو قد تقع من قبيل المصادفة ، فكأنَّ مَضرِبَ المثلِ هو المثيرُ البيئيُّ المحايدُ الذي له القدرةُ على التأثير في وظائفِ الجسم الطبيعيةِ والنفسية ، والشخص أو الأشخاص أطراف الحوار هو المثير المصاحب الذي يثير الاستجابة المنعكسة الطبيعية أو الاشتراطية الأخرى ، فإذا ما حدث الموقف المرتبط بمعنى المثل ودلالته في وجود الشخص أو الأشخاص أطراف الحوار نشط المثل ، وخرج من مكمنه ليقف إلى جانب قائله قويًا أمينًا ، وإذا ما أدى دوره المنوط به كاملًا غير منقوص سكن وتلاشى .
– وقد يستخدم المتمثل به أحد الاستهلالات التي تمهد له الطريق للانضمام إلى أدوات الحوار والاندماج فيها ، حيث يؤدي ذلك إلى تهيئة أذهان المتحاورين وإثارتهم لسماع شاهد مقنع خبير يقطع قول كل خطيب ؛ فيقول بلهجته العامية المعتادة : ” على رأي المثل ” أو ” على رأي اللي قال ” أو ” صدق اللي قال ” أو ” المثل بيقول ” أو ” اللي قبلينا قالوا ” , ثم ينطلق من لسان صاحبه لا يتردد ، ولا يتباطأ ، ولا يقصر في أداء واجبه كاملًا غيرَ منقوص .
– وربما انطلق دون استهلالات ، أو مقدمات ليقوم بنفس الدور المنوط به من خلال انصهاره في النسيج العام لمضامين الكلام حتى أن المتكلم به ، والسامع له لا يلاحظانه كقولٍ منقولٍ بين الأقوال المرتجلة أثناء الحوار ، أو عند الجدال .
– فنراه يقوم بتهدئة الحوار بين المتحاورين ، وحسم الخلاف بين المتخاصمين ، ووقف الجدال بين المتناحرين ؛ وكيف لا ؟ ، وهو يخاطبُ العقلَ عندهم كما يخاطبُ العاطفة ، وكيف لا ؟ وهو قولٌ مأثورٌ عن الكبار ، والأجداد ، والسابقين .
– وقد رَسَخَ في خَلَدِ الجميعِ أن ما يقولُهُ الكبار ، وما يصدرُ عن الأجداد ، وما يُنسبُ إلى السابقينَ قولٌ مشهود ، وغيرُ مردود ، وما علينا أمامه إلا أن نقولَ ناطقين ، أو صامتين : ” سمعًا وطاعة ” .